قضية شعب الجنوب والأمن القومي السعودي

كتب : د. أمين العلياني

ثمة سؤالٌ أكبر من المعركة ذاتها يفرض نفسه اليوم على المشهد الجنوبي واليمني والإقليمي برمّته، سؤالٌ لا يحتمل التأجيل ولا يقبل التمويه ولا يستكين للتفسيرات الجاهزة التي طالما روّجتها دهاليز السياسة ومساومات المصالح الضيقة: وهي متى تصبح عدالة قضية شعب الجنوب – تلك القضية السياسية الوجودية والوطنية العميقة المتمثلة في استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة- مهدِّدةً للأمن القومي السعودي بقوات جنوبية أنشئت تحت رعاية الرياض نفسها وصيغت عقيدتها القتالية في خنادق التحالف العربي، بينما لا تشكّل المليشيات الحوثية المتمردة والمصنفة بالإرهابية التي تسعى الرياض جاهدةً إلى تسويةٍ معها ذلك التهديدَ الموجب للردع والحسم؟ ومن ذلك الكيان الإقليمي الذي يختزل لنفسه حق تعريف العدالة لقضية شعبٍ كاملٍ والتهديد الأمني في وجوده على جغرافياه الممتدة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا؟ ولماذا يتغيّر هذا التعريف تغيّرًا مراوغًا بتغيّر الجغرافيا والتحالفات، حتى غدا الأمن القومي السعودي مفهومًا مطاطًا يُفسَّر في حضرموت بتفسيرٍ غير تفسيره في صعدة، ويُقرأ في المهرة بقراءةٍ غير قراءته في حدود الجوف؟
إن التوصيف السعودي لعدالة قضية شعب الجنوب بأنها قضيةٌ تاريخية ذات أبعاد اجتماعية ليس توصيفًا بريئًا ولا اجتهادًا يخلو من خبث ومكر في قاموس السياسة، بل هو -في جوهره- انتقاصٌ ممنهج من المشروع التحرري الجنوبي العربي وإفراغٌ له من مضمونه الوجودي الذي يتجاوز المطالب الحقوقية والاجتماعية والتاريخية إلى جوهر الصراع على الدولة والهوية والسيادة في الجنوب العربي. فعندما تصف الرياض قضية شعب الجنوب بأنها قضية تاريخية فهي تدفع بها دفعًا إلى متاحف الماضي وإلى أدراج القضايا التي يجب أن يُعاد النظر في جذرها الاعتباري على نيل استقلالها الذي نالته في 1967م، وكأن هذه الهوية لدولة الجنوب لم تكن معبّرةً تعبيرًا قانونيًّا وسياسيًّا وسياديًّا عن الحدود الجغرافية الممتدة من أقصى الشرق إلى باب المندب في أقصى الغرب، بل وكأن ثمة محافظات جنوبية لم تأخذ حقها الاختياري في التوحيد ضمن حدود الدولة الجنوبية آنذاك، وكأن الأمر قد فُرض عليها فرضًا بقوة الفصيل الذي استقل بتمثيل الدولة لحظة الاعتراف الدولي بها. وأما وصفها بأنها قضية ذات أبعاد اجتماعية ففيه إشارةٌ خفيّةٌ إلى أن الرياض ترى ضرورة معالجة فكرة الشمولية والاستحواذ التي سارت عليها الجبهة القومية ويسير على خطاها المجلس الانتقالي الجنوبي – زاعمة بأنها أقصت صوت فئات مجتمعية كاملة في بعض محافظات الجنوب، ولم تُعطِها حقها الاختياري في الانضمام إلى بنيان الدولة الجنوبية، وكأن تلك الدولة كانت ممثلة لجغرافيا مجرّدة ولم تمثّل كل فئات المجتمع العسكري والامني والشعبي والقبلي والسلطني والديني والمدني. وهكذا تتحوّل القضية في المخيال السياسي السعودي من قضية تحرر وطني واستعادة دولة كاملة الأركان والسيادة إلى قضية تمثيل اجتماعي وحلول لمشاكل تاريخية يمكن تدبيرها بإعادة توزيع الحصص والمناصب داخل كيان الدولة اليمنية الواحدة.
أما الأمن القومي السعودي فقد ظل -عبر العقود- هو المعيار الأوحد للتحرك في اليمن والجنوب العربي على حدٍّ سواء، غير أن استهداف القوات الجنوبية التايعة للمجلس الانتقالي العربي في حضرموت والمهرة تحت مزاعم أنها قوات مدعومة إماراتيًّا وكأن الامارات العربية المتحدة ليست ضمن التحالف وهذا ما يفتح تساؤلاتٍ عميقةً حول تحوّلٍ جوهريٍّ في العقيدة الأمنية السعودية: هل انتقل الخطر من الحوثي في الشمال إلى القوى القوات الجنوبية المتمثلة في المجلس الانتقالي الصاعدة لكي تعيد تشكيل ميزان النفوذ وتُفصح عن مشروع دولةٍ آتٍ لا محالة؟ لقد ظل الحوثي العدو الأوضح لسنوات طوال، لكن المواجهة معه لم تعد وحدها مركز الثقل في الحسابات السعودية، بل أصبحت القوى الجنوبية التي راكمت نفوذًا ميدانيًّا وسياسيًّا جزءًا من معادلة مختلفة تمامًا في تلك الحسابات، معادلةٍ لا تُقاس بموازين التحالف القديم ولا بمنطق العدو والصديق، بل بموازين السيطرة على الموانئ والممرات البحرية والثروات والموانئ الاستراتيجية التي لا ترى الرياض في المجلس الانتقالي الجنوبي حقًّا في تمثيلها والتعبير عنها، رغم أن المجلس مفوَّضٌ شعبيًّا من شعب الجنوب بإرادة جمعية لا يشهد لها التاريخ الجنوبي مثيلًا منذ فجر الاستقلال الأول. وهذا التحول لا يعني أن خطر الحوثي قد انتهى أو تلاشى، بل يعني أن أولويات التهديد قد تغيّرت تغيّرًا دراماتيكيًّا، خصوصًا مع تصاعد أسئلة السيطرة على الجغرافيا الجنوبية في حضرموت التي صارت في الحساب السعودي ليست مجرد محافظة جنوبية، بل مركز ثقل اقتصادي وجغرافي وساحلي يجعلها محورًا لطموحات ونوايا سعوديةٍ تُغلف نفسها بمبررات الحقوق التاريخية والتمثيلات الاجتماعية التي تحاول الرياض من خلالها أن تعيق وتكبح المشروع التحرري الجنوبي في مستقبله باستعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.
ولقد أظهرت أحداث أواخر عام 2025 أن تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم شعبيًّا بكل فئات المجتمع ومؤسسات الجنوب في حضرموت والمهرة – الذي واجه ردًّا عنيفًا من قوات سعودية وطيرانها بصىورة مباشرة، ما أعاد ترتيب التوازن داخل معسكر مناهضة الحوثي ترتيبًا قلب المعادلة رأسًا على عقب، وحوّل الصراع من مواجهةٍ مع الحوثي إلى صراعٍ داخليٍّ على شكل دولة الجنوب ومستقبلها ومن يمثلها والمركز القانوني لشرعية هلامية يمنية تستخدم لأهداف سعودية ضيقة على حساب عدالة شعب الجنوب وتضحياته الجسام. ومن هنا ينتقل التحالف العربي -في مشهده الراهن- من كونه صانعًا للتحول وناصرًا للقضايا العادلة وفي مقدمتها قضية شعب الجنوب وفق تطلعات الشعب نفسه إلى كونه مجرّد أداة لإدارة تبايناتٍ تريد الرياض أن تجعل قضية شعب الجنوب من خلالها قضية تمثيل اجتماعي وحلول لمشاكلها التاريخية فحسب، لا قضية استعادة دولة وانتزاع سيادة. وعند تأسيس التحالف في عام 2015 كان الهدف المعلن هو استعادة الشرعية ومواجهة الحوثي وحل قضية شعب الجنوب وفق تطلعات الشعب وحقه في تقرير المصير، لكن مع مرور الوقت ظهرت اختلافات جوهرية بين الجنوب والشمال حول شكل الدولة في اليمن ومستقبل الجنوب، اختلافاتٌ جعلت الرياض تنقل ثقلها من هدف الحسم العسكري إلى هدف إدارة المخاطر”ط، حيث أصبح صعود قوات جنوبية مستقلة تؤمن بحق الجنوب في استعادة دولته تمثل تحديًا لا يقل خطورة عن الحوثي من منظور إعادة تشكيل الدولة وفق مفهوم الرياض الخاص.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم: لماذا أصبح الصراع داخل الجنوب أكثر اشتعالًا من الصراع مع الحوثي؟ الجواب المحتمل -بل المؤكد- أن السعودية انتقلت من هدف الحسم إلى إدارة المخاطر، ومن هنا هربت الرياض من تحالفها العربي الذي تقوده هي إلى تحالفات إسلامية جديدة وسّعت فيها شراكاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا، في إطار إعادة بناء منظومة ردع أوسع من بعد أن أسقطت ماسمته التحالف العربي أعلنت صراحة على انتهائه، وهذا ما يعكس تحولًا عميقًا تسعى إليه الرياض نحو شبكة مصالح أوسع وأكثر تنوعًا على حساب قضايا الشعوب المصيرية وعدالتها. وقضية شعب الجنوب لم تعد تفصيلًا عسكريًّا كما تتوهم الرياض، بل صارت قضية سياسية وجودية تخص الهوية والدولة بعد أن نشأ واقع سياسي وعسكري جديد خلال الحرب، وأي محاولة لإدارة الجنوب بالقوة فقط قد تؤدي إلى تعقيد أكبر بدل الحل. ومن هنا جاء إضعاف القوى الجنوبية المنضوية تحت المجلس الانتقالي الجنوبي دون بديل سياسي ليخلق فراغًا استفادت منه أطراف أخرى، بما فيها الحوثيون أنفسهم حتى شكل محاولة استنزاف الحليف الجنوبي من قبل الرياض وقوى الاحتلال اليمني في صراعات داخلية قد أضعف القدرة على مواجهة التهديدات الأكبر للحوثيين، وانتقل السؤال من كيف نهزم الحوثي؟ إلى من يحدد شكل اليمن والجنوب في المستقبل؟.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى: بين وحدة اليمن، واستعادة دولة الجنوب العربي ليشكل الجنوب بتحقيقها استقرارًا آمنًا للمنطقة، ومن هنا يأتي إعادة تعريف مفهوم عدالة قضية شعب الجنوب والأمن القومي نفسه وفق منطلقات أمن المنطقة واستقرارها لا من منطلق الأمن القومي الضيق والمرهون بوصاية التعبية. وفي قلب هذا التحول، يصبح الجنوب العربي ساحة اختبار للعلاقة بين السعودية وقوى اليمن، وبين الأمن والنفوذ، وبين التحالفات القديمة والاصطفافات الجديدة، والمفارقة الموجعة أن أخطر ما في التحالفات ليس اختلاف الحلفاء وتباين مصالحهم، بل تلك اللحظة التي يبدأ فيها كل طرف بإعادة تعريف عدالة قضية شعب الجنوب بكونها تاريخية وذات أبعاد اجتماعية، في انتقاصٍ صارخٍ من مشروع الجنوب التحرري، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي وفق مصالح الرياض الخاصة الضيقة، حتى يغدو التعريف مراوغًا منزلقًا لا يثبت على حال، وحتى يصبح الجنوب العربي بمشروعه التحرري ضحية تعريفٍ لا صانعَه ولا شريكًا فيه.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى