فكرة الفئات المجتمعية في مسار الرياض المزعوم: بين شيطنة المشروع التحرري وتزوير إرادة الشعب المؤمنة به

كتب/ د. أمين العلياني

لم أكدْ أطوي صفحةَ يومٍ حافلٍ بمتاعبِهِ وأفكارِهِ، حتى ألقيتُ سمعي، في جُنحِ ليلٍ بهيمٍ تلفُّهُ سكونٌ موحشٌ وتقطَعُهُ همساتُ أثيرٍ متقطِّعةٌ، على حوارٍ محتدمٍ دارتْ رحاهُ في إحدى مساحاتِ منصَّةِ “إكس”، حيثُ اجتمعتْ كوكبةٌ ممن تصفُ نفسها وتستدعي زورًا بالنخبةِ الممثِّلةِ في مسارِ الرياضِ، وصاحبةِ إعدادِ وتقديمِ مشروعٍ يُرادُ له أن يُلبِسَ تمثيلَ الجنوبِ ثوبًا مُرقَّعًا من فئاتٍ مجتمعيةٍ مفترَضةٍ، تُشاركُ في حوارٍ جنوبيٍّ مزعومٍ بالرياضِ، وتكونُ صاحبةَ القولِ الفصلِ في تقريرِ مصيرِ شعبِ الجنوبِ، وفقَ ما تراهُ الرياضُ ممليًا بالتزاماتِها وحساباتِ مصالحِها، سعيًا إلى إنضاجِ تسويةٍ شاملةٍ تُفرَضُ فرضًا بين أطرافِ الجنوبِ الممثَّلةِ – بزَعمِهم – عبرَ هذه الفئاتِ المجتمعيةِ المنتمية إلى مجالس تنسيقية بالمحافظات، وقوى الشمالِ اليمنيِّ المختلفةِ، شرعيةً كانتْ أم حوثيةً، في مشهدٍ عبثيٍّ تتقاطعُ فيه الخناجرُ تحتَ عباءةِ التوافقِ المزعومِ.

وحينَ أصغيتُ مليًّا إلى تلكَ الأصواتِ النرجسية الأنانية بأثرة الذات، وهي تتباهى بدورِها في إعدادِ مسودةِ مشروعِ الفئاتِ المجتمعيةِ التي ستُشارِكُ في ذلكَ الحوارِ الجنوبيِّ، وتغدو – في تصوُّرِها – صاحبةَ حقِّ الفصلِ وتقريرِ مصيرِ شعبِ الجنوبِ في تسويةٍ سياسيةٍ تُطبَخُ على نارٍ هادئةٍ، وتُحاكُ خيوطُها في دهاليزَ مُعتمةٍ، أدركتُ بعمقٍ أنَّ هذهِ التسويةَ كانتْ ولا تزالُ السببَ الرئيسَ في تجرُّؤِ الرياضِ على ضربِ قواتِ المجلسِ الانتقاليِّ الجنوبيِّ في حضرموتَ، حينَ وقفَ الرئيسُ القائدُ عيدروس الزبيدي سدًّا منيعًا في وجهِ أيِّ تسويةٍ تنتقصُ من تطلعاتِ شعبِ الجنوبِ العادلةِ، وتفرِطُ في تضحياتِهِ الجِسامِ، ومن هنا انطلقتْ ماكيناتُ الإعلامِ المعاديةُ في شيطنَتِهِ، وشرعتْ أقلامٌ مأجورةٌ وألسنةٌ مسمومةٌ في صناعةِ سرديةٍ زائفةٍ، تصوِّرُ أنَّ الرئيسَ الزبيدي في مجلسِهِ وقواته لا يمثِّلُ الجنوبَ، بل يمثِّلُ مشروعًا سلطويًّا عائليًّا، يخدم أجندات دول أخرى، لا مشروعًا وطنيًّا جنوبيًّا، على نحوِ ما وصفَهُ الأستاذُ نصر العيسائي في تهجُّمٍ بائسٍ لا يخلو من حقدٍ دفينٍ، بينما وصفَهُ الدكتورُ سعد بن طالب بالمشروعِ غير الأخلاقيِّ، مُبرِّرًا أنَّهُ خرجَ عن أخلاقياتِ مركزِ الجمهوريةِ اليمنيةِ القانونيِّ إلى مُسمَّى الجنوبِ العربيِّ، الذي لا يمثِّلُ حضرموتَ كهويةٍ مستقلَّةٍ، تكونُ في مشروعٍ مستقلٍّ بها، أو في مشروعٍ ضمنَ اليمنِ الاتحاديِّ، أما مشروعُ الانتقاليِّ فهو – في زعمِهِ – مشروعٌ غيرُ أخلاقيٍّ لا يمثِّلُ الهويةَ الحضرميةَ، وكأنَّ الهويةَ الحضرميةَ الأصيلةَ تنفصِمُ عن جنوبِها العربيِّ، أو تبرأُ من نضالِ شعبِها التحرريِّ، وكأنَّ التاريخَ لم يسجِّلْ للحضارمِ صفحاتٍ مشرقةً في مسيرةِ الكفاحِ الجنوبيِّ المسلَّحِ ضدَّ المحتلِّ الشماليِّ!

وهنا يبرزُ السؤالُ الجوهريُّ الذي يفرضُ نفسَهُ بإلحاحٍ شديدٍ، ويقضُّ مضاجعَ المتآمرينَ على قضيةِ شعب الجنوب: مَن الذي يحملُ مشروعَ الجنوبِ التحرريَّ حقًّا، ويعبِّرُ عن إرادةِ شعبِهِ قاطبةً، بتفويضٍ شعبيٍّ لا تشوبُهُ شائبةُ تزويرٍ أو انتقاصٍ؟ أهو مشروعُ الفئاتِ المجتمعيةِ الذي يُشرعَنُ عبرَ ما يُسمَّى بالمجالسِ التنسيقيةِ، الممتدَّةِ من المديرياتِ إلى عواصمِ المحافظاتِ، في هرمٍ مقلوبٍ يُكرِّسُ تعريفَ مفهومِ قضيةِ شعبِ الجنوبِ بكونِها قضيةً تاريخيةً ذاتَ أبعادٍ اجتماعيةٍ، ويُصوِّرُها عبرَ عدسةِ المنظورِ الداخليِّ المشوَّهِ أنَّ الجنوبَ العربي لم يخرجْ من مشاكلِهِ التاريخيةِ وثقافةِ الإقصاءِ الاجتماعيِّ؟ إنَّ هذا التصوُّرَ المشوَّهَ ليس إلّا خيانةً عُظمى لإرادةِ شعبِ الجنوب وتضحياتِهِ الجسامِ، وإظهارًا لقضيةِ الجنوبِ على أنَّها قضيةٌ حقوقيةٌ ذاتُ مظلوميةٍ اجتماعيةٍ وتاريخيةٍ فحسب، لا قضيةَ شعبٍ ينشدُ استعادةَ دولتِهِ وهُويَّتِهِ وسيادتِهِ الكاملةِ على أرضِهِ. أم المشروعُ الجنوبيُّ التحرريُّ الأصيلُ الذي يمثِّلُهُ المجلسُ الانتقاليُّ الجنوبيُّ، بقيادةِ الرئيسِ عيدروس الزبيدي، وينطلقُ من مفهومِ عدالةِ قضيةِ الجنوبِ بوصفِها ملكًا شعبيًّا خالصًا، وإرادةً شعبيةً جمعيةً لا تقبلُ التجزئةَ ولا المساومَةَ، يقرِّرُها الشعبُ وحدَهُ، وهو صاحبُ القولِ الفصلِ فيها، لا فئاتٌ مصطنَعةٌ أو مجالسُ مُعيَّنةٌ تُدارُ بخيوطِ الخارجِ وتوجيهاتِهِ؟

ثمَّ يبرزُ سؤالٌ آخرُ لا يقلُّ خطورةً ولا عمقًا، وهو: إذا كانَ أصحابُ مسارِ الرياضِ أنفسُهم يقرُّونَ بأنَّهم قد يصلونَ إلى تعارضٍ بينيٍّ خانقٍ، لكثرةِ مشاريعِ الفئاتِ المجتمعيةِ المتناحرةِ، وانتماءاتِها الحزبيةِ والإيديولوجيةِ المتناقضةِ، التي ستؤولُ لا محالةَ إلى ميوعَةٍ سياسيةٍ عارمةٍ تتيهُ فيها الخياراتُ، وتضيعُ معها البوصلةُ، فمَن يكونُ مصدرَ الفصلِ بينها عندَ التنازعِ؟ إنَّهم يقولونَها بأفواهِهم، ولكنَّهم لا يدركونَ فحوى اعترافِهم الخطيرِ: “إرادةُ شعبِ الجنوبِ”! فإذا كانتْ إرادةُ شعبِ الجنوبِ هي صاحبةَ القولِ الفصلِ، والحكمَ العدلَ الذي يُحتكمُ إليهِ عندَ الاختلافِ، فلماذا تتجاوزونَها الآنَ بهذهِ الفئاتِ المجتمعيةِ المصطنَعةِ التي تريدونَ إحلالَها محلَّ الإرادةِ الشعبيةِ الحقيقيةِ المعبَّرِ عنها بالمجلسِ الانتقاليِّ؟ إنَّه تناقضٌ فاضحٌ لا يستقيمُ مع أقلِّ بديهياتِ المنطقِ السياسيِّ السليمِ، ويكشفُ بجلاءٍ أنَّ المسارَ برمَّتِهِ ليسَ سوى محاولةٍ يائسةٍ لتزويرِ إرادةِ شعبِ الجنوبِ، وإلباسِ الشرعيةِ لأدواتٍ هجينةٍ لا تمتُّ إليهِ بصلةٍ، وتكريسِ وصايةٍ خارجيةٍ على قرارِهِ الوطنيِّ المصيريِّ.

إنَّ ما يُحاكُ في دهاليزِ مسارِ الرياضِ ليسَ إلّا مؤامرةً مكتملةَ الأركانِ، تُرادُ بها شيطنةُ المشروعِ التحرريِّ الجنوبيِّ وتصفيتُهُ، وتزويرُ إرادةِ الشعبِ المؤمنةِ بهِ والصامدةِ خلفَهُ، واستبدالُ مشروعِ استعادةِ الدولةِ بفوضى الفئوياتِ والجهوياتِ، ولكنَّ هيهاتَ ثمَّ هيهاتَ أن يتحقَّقَ لهم ما يبغونَ، فشعبُ الجنوبِ الذي هزَّ عروشَ الظالمينَ، وسطَّرَ بدمائِهِ أروعَ ملاحمِ البطولةِ والفداءِ، ليسَ بالشعبِ الذي تنطلي عليهِ هذهِ الألاعيبُ الرخيصةُ، أو تنخدعَ إرادتُهُ بهذهِ المسارحِ السياسيةِ الهزيلةِ. وللهِ في خلقِهِ شؤونٌ، وهو وحدَهُ من يُملي على عبيدِهِ ما يريدونَ وما لا يريدونَ، واللهُ غالبٌ على أمرِهِ، وإنْ كانوا له كارهينَ، وسيظلُّ المجلسُ الانتقاليُّ الجنوبيُّ، بقيادةِ الرئيسِ عيدروس الزبيدي، الصخرةَ التي تتحطَّمُ عليها كلُّ مؤامراتِ النيلِ من قضيةِ شعبِ الجنوبِ العادلةِ، والبوابةَ المشرقةَ نحوَ فجرِ الحريةِ والنصرِ المؤزَّرِ، بإذنِ اللهِ وعونِهِ.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى