الري حقٌّ تنظمه اللائحة وتحميه الشراكة

 

م. استشاري عبدالقادر خضر السميطي

_حين يمضي الماء_ _في طريقه_ … _تمضي_ _الحياة_
في الأرض حكاية لا يرويها إلا الماء، وفي كل قطرة تصل إلى حقلٍ عطشان حكاية مزارعٍ ينتظر موسمًا يفتح له أبواب الأمل.
فالماء ليس مجرد مجرى يمر بين القنوات، ولا مجرد حصة تُقسم بالأرقام؛ إنه روح الأرض، وطمأنينة المزارع، وذاكرة الحقول التي عاشت أجيالًا على عدالة توزيعه وحسن إدارته.
وحين يصل الماء إلى كل أرض بنصيبها العادل، تزهر الحقول دون خصومة، ويشعر المزارع أن تعبه محفوظ، وأن الأرض التي أحبها لم تُترك وحيدة أمام العطش.
أما حين يختل ميزان الري، فإن المشكلة لا تتوقف عند قناة أو بوابة أو ساقية بل تمتد إلى قلب المزارع، وإلى إنتاجه، وإلى استقرار أسرته، وإلى مستقبل الزراعة كلها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الري السيلي التقليدي ليس حديثًا عن الماء وحده، وإنما هو حديث عن العدالة، والتنظيم، والشراكة، وحماية حق كل مزارع في أن تصل إليه حصته دون ظلم أو تجاوز.
لقد آن الأوان أن ننظر إلى منظومة الري بعينٍ هادئة وعقلٍ مفتوح لا للبحث عن المخطئ، وإنما للبحث عن الحل، ولا لإحياء خلافات الماضي، وإنما لبناء نظام يواكب حاضرنا ويحمي مستقبلنا.

*نحو تنظيم جديد يعيد للماء عدالته*

هل هناك نية جادة وصادقة لحل مشكلة الري السيلي وتنظيمه، بحيث يحصل كل مزارع على حصته العادلة من مياه الري، دون محاباة أو تجاوز أو إهدار ووفقا للاعراف والإسلاف واللوائح التنظيمية للري الداخلي؟
هذا السؤال أصبح ضرورة تفرضها حاجة المزارعين، وحماية الأراضي الزراعية، والحفاظ على منظومة الري التي تمثل شريان الحياة للزراعة.
إن معالجة مشكلة الري لا تحتاج إلى مزيد من الاجتماعات والوعود بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية لتطبيق النظام، وتحديث اللوائح، وإعادة الاعتبار للقانون.

لائحة تجاوزها الزمن وتحتاج إلى مراجعة

من الضروري إعادة النظر في تفعيل اللوائح الداخلية المنظمة للري، خصوصًا أن آخر تعديل لها يعود إلى عام 2005، وهي فترة شهدت تغيرات كبيرة في الظروف الزراعية والمائية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن المقترح الأهم هو إعادة تفعيل ما يسمى بالمجلس ألاعلى للري،والذي يترأسه محافظ المحافظة ويضم الجهات المختصة وأصحاب الخبرة والمزارعين وممثلي جمعيات مستخدمي المياه والجمعيات التعاونية الزراعية، وتكون من أبرز مهامه مراجعة اللائحة التنظيمية للري، وتعديل المواد التي لم تعد تتناسب مع الواقع الحالي.
فاللوائح ليست نصوصًا جامدة بل أدوات لتنظيم الحياة وحماية الحقوق، وكلما تغيرت الظروف وجب أن تتطور معها التشريعات والأنظمة.
لقاء موسع… لنسمع صوت الميدان
ومن أجل الانتقال من الحديث عن المشكلة إلى صناعة حلول عملية قابلة للتنفيذ، كما أقترح تحديد لقاء موسع يضم الجمعيات التعاونية الزراعية، وجمعيات مستخدمي المياه، والجهات المختصة بالري والزراعة، وأصحاب الخبرة والمختصين في الشأن الزراعي والمائي.
ويُخصص هذا اللقاء لمراجعة ومناقشة اللائحة الداخلية والتنظيمية للري، ومناقشة موادها وبنودها بكل مسؤولية وشفافية، والعمل على تعديلها وتطويرها بما يتناسب مع التغيرات الزراعية والاقتصادية والاجتماعية والمائية التي طرأت خلال السنوات الماضية.
إن إشراك الجمعيات والمزارعين في هذه المراجعة ليس إجراءً شكليًا، بل هو ضمانة مهمة لنجاح أي نظام جديد؛ لأن من يعيش المشكلة في الميدان هو الأقدر على وصف تفاصيلها، واقتراح الحلول الواقعية لها.

القنوات الرئيسية… شريان لا يحتمل الإهمال

ولا يمكن الحديث عن تنظيم الري بينما القنوات الرئيسية تعاني من ضعف الصيانة أو الإهمال.
إن إعادة صيانة وتأهيل القنوات الرئيسية، ابتداءً من بوابة السد وحتى نهايات شبكة الري، يجب أن تكون أولوية حقيقية لأن كفاءة القناة تعني وصول المياه إلى مستحقيها، وتقليل الفاقد، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع المياه.
فالماء الذي لا يصل إلى المزارع في الوقت المناسب، يتحول من مورد إنتاج إلى مورد ضائع.

رسوم الري تحتاج إلى تنظيم جديد

كما أن المادة الخاصة برسوم الري عن كل فدان تحتاج إلى مراجعة وتحديث، بحيث تكون الرسوم واضحة وعادلة ومنظمة، ويتم تحصيلها وإدارتها عبر الجهات المختصة وفق آلية شفافة تضمن توجيه جزء منها إلى صيانة وتشغيل منظومة الري.
فمن الصعب أن نطلب من منظومة الري أن تعمل بكفاءة بينما لا تتوافر لها موارد مستدامة للصيانة والتشغيل.

*لا نظام بلا ردع*

وفي المقابل، فإن أي لائحة مهما كانت جيدة لن تحقق أهدافها إذا لم تكن هناك آلية واضحة لتطبيقها.
لذلك لا بد من مراجعة وتحديث الغرامات والعقوبات الخاصة بالمخالفين، بما يتناسب مع حجم المخالفة وأثرها على حقوق الآخرين.
الهدف ليس العقوبة من أجل العقوبة، وإنما حماية النظام وردع من يحاول الاستحواذ على حق غيره أو العبث بمجرى المياه أو مخالفة برنامج الري.
فالقانون العادل لا يخيف الملتزم؛ بل يحميه.

المزارعون شركاء في الحل

ومن المهم أن تكون جمعيات مستخدمي المياه والجمعيات التعاونية الزراعية جزءًا أصيلًا من منظومة الري، لا مجرد جهات هامشية.
فإشراك المزارعين في الصيانة والمتابعة والالتزام باللائحة، وتعزيز دورهم في مراقبة المخالفات وتنظيم توزيع المياه، سيجعل تطبيق النظام أكثر سهولة وقبولًا واستدامة.
إن المزارع الذي يشعر أن له دورًا في إدارة المياه، سيكون أكثر حرصًا على حمايتها، وأكثر التزامًا بالنظام.

نريد إدارة للمياه… لا إدارة للأزمة

إن تنظيم الري السيلي ليس مشروعًا مستحيلًا، ولا يحتاج إلى معجزة.
إنه يحتاج إلى لائحة محدثة، وقنوات مؤهلة، ورسوم منظمة، وعقوبات رادعة، وجمعيات فاعلة، وإدارة جادة تؤمن بأن المياه حق ومسؤولية في آن واحد.
وحين تتكامل هذه العناصر، يمكن أن يصبح تنظيم الري أكثر سهولة وعدالة وكفاءة، وتنحسر كثير من الخلافات التي تنشأ بسبب غياب التنظيم أو ضعف تطبيقه.

رسالتي للجميع
إذا كانت هناك نية حقيقية لإصلاح منظومة الري، فليكن الطريق واضحا
أعيدوا تفعيل المجلس ألاعلى للري، حدّثوا اللائحة، أصلحوا القنوات، نظموا الرسوم، راجعوا الغرامات، وأشركوا المزارعين وجمعيات مستخدمي المياه والجمعيات التعاونية الزراعية في الإدارة والصيانة والرقابة.
فلنجلس جميعًا حول طاولة واحدة، ولنجعل من اختلاف الآراء فرصة لصناعة اتفاق، ومن خبرة المزارع سندًا للقرار، ومن القانون مظلةً تحمي الجميع.
فالماء حين يُدار بالعدل لا يروي الأرض وحدها
إنه يروي معها الطمأنينة،ويهدي النفوس ويزرع الثقة، ويفتح للزراعة طريقًا أكثر أمنًا واستقرارًا.
الماء للجميع… والعدل في توزيعه مسؤولية الجميع.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى