محمد قاسم راجح النقيب.. قصة ولي أمر استثنائي في يافع تستحق أن تُروى للأجيال وتخلد.

كتب/ فهد حنش أبو ماجد

يافع رصد: الجمعة 25 سبتمبر 2026م

تبرز في مدرسة يسلم حسين بمنطقة رخمة في مديرية يافع رصد بمحافظة أبين قصة ولي أمر استثنائي هو الأخ محمد قاسم راجح النقيب ولي أمر ثلاثة طلاب حيث لم تتوقف علاقته بالمدرسة عند حدود السؤال عن أبنائه أو متابعة تحصيلهم العلمي كمعظم الآباء بل امتدت لتصبح حضوراً يومياً ومشاركة حقيقية في تفاصيل الحياة المدرسية.

منذ سنوات اعتاد محمد قاسم راجح النقيب الوصول إلى المدرسة قبل حضور المعلمين، والبقاء فيها حتى مغادرة معظمهم، يقف في الطابور الصباحي، يساعد في تنظيم الطلاب، ويتابع انضباطهم، ويشارك في معالجة ما يطرأ من احتياجات يومية للمدرسة، وحين تفرغ حصة بسبب غياب أحد المعلمين لا يقف متفرجاً على الفراغ بل يحاول تغطيته بما يستطيع حرصاً على ألا تضيع من الطلاب دقيقة من يومهم الدراسي، وحتى لا يتسبب هذا الصف بإزعاج للصفوف الأخرى.

وفي مكتبة المدرسة تجد له حضور آخر حيث يرتب الكتب ويتفقدها ويساعد أمين المكتبة والطلاب والمعلمين في الوصول إلى ما يحتاجونه من بقايا كتب ممزقة، كما يشارك الطلاب في أعمال النظافة، ويحضر الاجتماعات واللقاءات، ويتابع شؤون المدرسة بقدر ما يستطيع.

ومع مرور السنين لم يعد حضوره غريباً على المدرسة إلى درجة أن معظم الطلاب يظنون إنه أحد المعلمين فيتعاملون معه بصفته معلم في صورة تختصر مقدار الألفة والثقة التي نشأت بينه وبين طلاب المدرسة.

فقد وجدت ذات يوم قصة إنسانية خلف هذا الحضور اليومي تختصر الكثير من معنى الأبوة، فحين تعرض أحد أبنائه لحادث أدى إلى كسر في قدمه لم يسمح محمد قاسم للإصابة أن تنتزع من ابنه حقه في مواصلة التعليم والبقاء في البيت حتى يتعافى، فكان يحمله بشكل يومي على ظهره ليأتي به إلى المدرسة ثم يعيده إلى المنزل نهاية الدوام متحملاً مشقة الطريق والحمل للحفاظ على مواصلة دراسته.
لم يكن يحمل محمد جسد ابنه فحسب بل كان يحمل معه حلمه بمستقبل أفضل، وفي ذلك المشهد الصامت تختصر الأبوة أجمل معانيها حين عجزت قدم الأبن عن الوصول إلى المدرسة حمله أبوه إليها.

قد لا يدرك الطفل في لحظات ضعفه حجم ما يفعله والده من أجله لكنه سيكبر يوماً وهو يتذكر أن أباه لم يسمح لعجز مؤقت أن يتحول إلى عائق أمام مستقبله.

لم يتوقف اهتمام محمد قاسم عند الطلاب فحسب فقد وجدته يتفقد مبنى المدرسة، ويراقب أسطحها وعبارات تصريف مياه الأمطار، ويبادر إلى تنظيفها وفتحها عندما تنسد بالأوراق والمخلفات، مدركاً أن الحفاظ على المدرسة يبدأ أحياناً من تفاصيل صغيرة قد تمنع مشكلات أكبر. وكل ذلك يقدمه محمد دون راتب أو منصب أو مكافأة.
فهو عسكري متقاعد يعتمد على راتبه البسيط، ومع ذلك يمنح المدرسة من وقته وجهده ما يستطيع في صورة تؤكد أن العطاء لا يُقاس دائماً بما يقدم الإنسان من مال، وإنما بما يستطيع أن يمنحه من وقت وهمة وإحساس بالمسؤولية.

الأجمل في حكاية محمد قاسم النقيب أن اهتمامه لم يتوقف عند البيت فيتابع أبناءه دراسياً في البيت، ويحرص على أخلاقهم وانضباطهم، وقد انعكس ذلك على سلوكهم وتحصيلهم الدراسي الذي امتد إلى المدرسة، وهنا تتجلى واحدة من أهم رسائل قصته:
التعليم شراكة، والتربية مسؤولية مشتركة، والبيت والمدرسة وجهان لطريق واحد يقود إلى بناء الإنسان.
فالمعلم لا يستطيع وحده حمل أعباء المدرسة، والإدارة لا تستطيع معالجة كل التفاصيل، والأسرة لا تستطيع تحقيق أهداف التربية بمعزل عن المجتمع. وحين تتكامل هذه الأدوار يصبح الطالب أول المستفيدين.

قصة محمد قاسم راجح النقيب ليست حكاية ولي أمر يؤدي واجبه تجاه أبنائه فحسب إنها حكاية رجل اتسعت دائرة اهتمامه من ثلاثة أبناء إلى مئات الطلاب، ومن الأسرة إلى المدرسة، ومن الأبوة إلى المسؤولية المجتمعية.

محمد قاسم لم يكون معلماً في سجلات المدرسة لكنه مارس شيئاً من رسالتها. وهو لم يحمل منصباً إدارياً لكنه حمل همّ المدرسة. ولم يكن موظفا فيها لكنه منحها من وقته ما يعجز عنه كثيرون.

إن التكريم الذي يكون له قيمة ومعنى تكريم هذا النماذج، وينبغي أن لا يُفهم التكريم بوصفه تكريماً لشخص بعينه فقط بل تقديراً لقيمة العطاء الذي يقدمه، وتشجيعاً لكل ولي أمر يستطيع أن يقدم شيئاً لمدرسة أبنائه.

فتعظيم سلام لهذا الأب العظيم الذي أجزم أنه ولي أمر استثنائي يستحق منا جميعاً الشكر والتقدير.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى