مدرسة المنصورة الرباط.. أم المدارس في مذكرات الأستاذ طاهر حنش السعيدي بيافع

متابعات – فهيم الأمير
هناك أماكن لا تغادرنا حتى وإن غادرناها..
أماكن لا تختزنها الجدران وحدها، بل تحفظها الذاكرة وتروي حكاياتها الوجوه، وتبقى أصواتها عالقة في أعماقنا مهما امتدت بنا السنوات.
وحين يقوم أي معلم بزيارة مدرسة علّم فيها، فليس البحث عن ذكرياته فقط، بل ليرى ماذا فعل الزمن بتلك المدرسة. وليست كل زيارة عابرة، فبعض الزيارات تعيد فتح أبواب ظننا أن الزمن أغلقها إلى الأبد، وتوقظ في الذاكرة أصواتاً وأسماءً ووجوهاً ظلت نائمة في أعماقنا عشرات السنين.
ومدرسة المنصورة لم أذهب إليها لكوني منتمياً إليها من حيث المكان، فأنا لست من أبناء المنطقة، وإنما كنت واحداً من معلميها في مرحلة من مراحل عمرها، عندما كانت في أوج عطائها ويوم كان المعلم يحمل رسالته وهو يشعر أنه يشارك في صناعة جيل جديد!
أكتب إليكم اليوم، لا بصفتي مسؤولاً يبحث عن منصب، ولا خطيباً ينتظر تصفيقاً، ولا معلماً يطلب شهرةً أو ثناءً؛
بل أكتب إليكم بقلبٍ يعتصره الألم، وبعينٍ أثقلتها الذكريات، ووجهٍ شاحبٍ يحمل ملامح نصف قرنٍ من الوفاء.
أكتب إليكم وأنا أستعيد صورة ذلك المعلم الذي حمل الطبشورة ذات صباح، قبل نحو خمسين عاماً، ليخطّ حروف العلم على سبورة هذه المدرسة، ثم حمل المشرط ليقدم لتلاميذه دروس التشريح التطبيقي بمهارة وإتقان، ويدرب طلائع المدرسة كل صباح على فنون الانضباط وحسن المظهر، حتى كان رباط العنق جزءاً من درسٍ في التربية قبل أن يكون مجرد قطعةٍ من القماش.
وتزينت المدرسة بالأشجار والشتلات أثناء تطبيق مادة البوليتكنيك الزراعي.
إنني أتحدث اليوم عن ذاكرة أجيال، وعن صرحٍ تربوي، وعن أمٍ كبرى احتضنت أبناءها، وعن منارةٍ حملت اسمها في ربوع المنطقة: مدرسة المنصورة – الرباط (أم المدارس) .
أولاً: مجدٌ تأسس عام 1968م
هناك، في قلب الرباط، وفي موقعٍ يتوسط القرى والمناطق المحيطة بها، كأن المكان اختير بعناية ليكون قلباً نابضاً بالحياة، قامت عليه هذه المدرسة واحتضنت أبناء مكاتب اليهري والسعدي واليزيدي، وأبناء القرى المحيطة، وفتحت أبوابها لكل طالبٍ جاءها حاملاً حلماً صغيراً، لتعيده إلى أهله بعد سنواتٍ وهو يحمل في يده مفتاحاً من مفاتيح المستقبل.
تعاقب على إدارتها رجالٌ أوفياء مخلصون كانوا من خيرة أبناء المنطقة، وحمل معلموها رسالتها جيلاً بعد جيل، وكان جميعهم يأتون من {عدن ولحج وأبين والضالع والصبيحة وحضرموت وكلد} حاملين نور المعرفة، حتى جاء عام 77 / 78م، فبدأ أبناء المنطقة أنفسهم يتسلمون الراية، ويتولون شرف حمل الرسالة التعليمية في مدرستهم.
ثانياً: العصر الذهبي
لقد كانت المنصورة – الرباط أسطورةً تربويةً بكل ما تعنيه الكلمة.
كانت حديث المركز والمديرية والمحافظة، بل كان صيتها يتجاوز حدود المكان، حتى غدت نموذجاً يُشار إليه بالبنان.
لم نكن نعلّم أبناءنا القراءة والكتابة وحسب؛ كنا نؤمن أن المدرسة الحقيقية لا تصنع متعلماً فقط، وإنما تصنع إنساناً، وتبني شخصيةً، وتزرع قيماً، وتفتح نافذةً على الحياة.
في ميادين الرياضة، كان أبناؤها أبطالاً لا يُستهان بهم. وفي الثقافة والفنون والتربية، كان بينهم روادٌ يشار إليهم بالبنان.
أما الفن والمسرح المدرسي، فكان للمنصورة فيهما حضورٌ لا يُنسى.
وما زلت، حتى اليوم، أسمع في أعماقي صدى أوبريتاتها التربوية الهادفة، وأتذكر أغانيها التي كانت تتردد في المحافل والمهرجانات، وتحمل رسائل التعليم والوعي والانضباط.
ومن تلك الكلمات التي لا تزال عالقةً في الذاكرة:
_ما معي مقدرة للهرج ذا وعيالي_
_ويش ذا العلم ذي جاني وعثّق بحالي_
_الصبي والمرأة والبنت بتروح يومي_
_للدراسة طوال أيامها والليالي_
رحم الله شاعرها محسن ثابت، الذي استطاع أن يجعل من الكلمة أداةً للتربية، ومن الفن وسيلةً للوعي.
لقد كانت مدرسة المنصورة سبّاقةً في مجال تعليم الفتاة. ففي عام 1970م، وفي خطوةٍ تربوية جريئة سبقت كثيراً من المدارس في محيطها، فتحت أبوابها أمام تعليم البنات إلى جانب البنين، واستمر هذا النهج حتى يومنا هذا.
وفي عام 75 / 76م فتحت ذراعيها لاستيعاب الصفوف الإعدادية إلى جانب الابتدائي والموحد.
ثم اتسع الحلم أكثر، ففي العام الدراسي 1991 – 1992م احتضنت المدرسة التعليم الثانوي، في خطوةٍ تعكس حاجة المنطقة إلى مواصلة أبنائها تعليمهم داخل بيئتهم. لكن هذا التوسع جاء بثمنٍ مؤلم؛ إذ كان على التعليم الثانوي أن يتقاسم المساحة والإمكانات مع التعليم الأساسي، وظلت المشكلة قائمة حتى اليوم: لا يوجد مبنى مستقل للتعليم الثانوي.
ثالثاً: جرح اليوم
حين زرنا هذه المدرسة كنت أحمل في قلبي صورة المدرسة التي عرفتها، بعد مضي نصف قرنٍ تقريباً على تأسيسها، ومع ذلك لا يزال واقعها يختزل في سورٍ من جهتين، وقاعة، وفصلٍ دراسي أو فصلين مضاف إلى المبنى السابق فقط الذي يحتاج إلى الرعاية والترميم.
أما المعلمون، وهم روح المدرسة وقلبها النابض، فهناك نقصٌ حاد ومؤلم في الكادر التعليمي، سواء في التعليم الأساسي أو الثانوي. والأشد ألماً أن مخرجات المدرسة التي كانت يوماً تفاخر بها المنطقة، وتخرّج الطبيب والمهندس والمعلم والقائد، أصبحت اليوم – وفق ما نراه ونلمسه – بحاجةٍ إلى وقفةٍ جادة تعيد إليها عافيتها ومكانتها.
فهل يعقل أن تصل أمّ المدارس إلى هذا الحال؟
رابعاً: المنصورة ليست مبنى بل ذاكرة مجتمع
أيها الأحبة…
إن إنقاذ المنصورة – الرباط ليس ترفاً، وليس مشروعاً تجميلياً، وليس مجرد إصلاحٍ للنوافذ والجدران والأرضية.
إنه وفاءٌ لتاريخٍ تربوي يمتد لعقود.
إن المدرسة التي خرّجت أجيالاً، وفتحت أبوابها للبنين والبنات، واحتضنت الرياضة والثقافة والفنون، وخرج من مقاعدها الطبيب والمهندس والمعلم والقائد، تستحق أن نتعامل معها باعتبارها إرثاً تربوياً واجتماعياً يجب الحفاظ عليه.
نداء أخير.. وأمانة في أعناقكم
يا أبناء المنصورة والرباط الأوفياء، في الداخل والخارج…
يا رجال الخير والإحسان…
يا أبناء مكاتب اليهري والسعدي واليزيدي…
يا كل من جلس يوماً على مقعدٍ خشبي في هذه المدرسة، أو ركض في ساحتها،
إن المدرسة التي احتضنت أحلامكم بالأمس، تحتاج اليوم إلى أن تحتضنوها أنتم.
ولهذا، فإنني أناشدكم:
1- أعيدوا إليها عافيتها، وأصلحوا نوافذها وأبوابها وفصولها، واحفظوا ما بقي من مبناها التاريخي. واعملوا على التوسع الرأسي للمبنى ليصبح مجمعاً دراسياً للمنطقة بما تعنيه الكلمة من معنى.
2- أغيثوا معلميها. ارفعوا صوتكم للمطالبة بسد العجز في الكادر التعليمي، ودعم المدرسة بالمعلمين في التعليم الأساسي والثانوي، ولو بالحلول المؤقتة والتعاقدية إلى أن تُعالج المشكلة بصورةٍ دائمة؛ فلا تعليم بلا معلم، ولا مستقبل بلا تعليم.
3- أعيدوا إليها روحها. أعيدوا النشاط الثقافي والرياضي، وأحيوا ملعبها وساحاتها، وأعيدوا للمدرسة ذلك الصخب الجميل الذي كان يعلن أن الحياة هنا لا تتوقف عند حدود الكتاب والدفتر.
4- أنقذوا التعليم الثانوي. اجعلوا للمرحلة الثانوية مبنىً مستقلاً يليق بأبنائنا وبناتنا، حتى لا يبقى التوسع التعليمي عبئاً على التعليم الأساسي، وحتى تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها كاملاً في خدمة المنطقة.
أحيوا نشاطها قبل أن تخفت روحها. واجعلوا من تاريخها العريق نقطة انطلاقٍ لمستقبلٍ أجمل.
لا تجعلوا نصف قرن من العطاء ينتهي إلى مجرد ذكريات يرويها لكم كبار السن، ولا تسمحوا أن يصبح تاريخ المدرسة أجمل من حاضرها!
ولعل أجمل الوفاء لمن تعلّمنا فيه أن نردّ إليه شيئاً من الجميل.
هذه ليست صرخة معلمٍ متقاعد فحسب؛ إنها شهادة جيل، ونداء ذاكرة، وأمانة وطنية وتربوية.








