حكايات من الدنيا

كتب ـ أ.د مهدي دبان
بعض الحكايات نسمعها فنقول: مستحيل! لكن حين نبحث خلفها، نجد أنها حدثت فعلًا، وأن أصحابها كانوا أناسا عاديين مثلنا… في الدنيا حكايات كثيرة؛ حكايات عاشها بشر مثلنا، لكنها كانت أغرب من الخيال.
*الحكاية الأولى: قلعة موسى المعماري*
في لبنان، وعلى أحد جبال الشوف، تقف قلعة تبدو للناظر إليها وكأنها خرجت من حكاية خيالية، لكنها في الحقيقة ثمرة حلم رجل عادي اسمه موسى المعماري. بدأت الحكاية عندما كان موسى فتى في الرابعة عشرة من عمره، يحلم ببناء قلعة تشبه تلك التي كان يراها في مخيلته. وتروي الرواية المرتبطة بسيرته أن فتاة أحبها رفضته بسبب فقره، وأنها كانت تتمنى رجلا يملك قصرا…. وفي المدرسة، كان موسى يرسم القلاع بدلا من الرسومات التي يطلبها المعلم، فسخر منه وعاقبه… ربما ظن الجميع أن ذلك مجرد حلم طفل سينتهي مع الأيام، لكن موسى كان يرى في ذلك الحلم شيئا آخر.
مرت السنوات، وكبر موسى، لكن القلعة لم تغادر خياله. عمل في ترميم القلاع والمواقع التاريخية، وتعلم البناء والنحت، وبدأ يكتسب الخبرة التي يحتاجها لتحقيق حلمه. وفي عام 1962 بدأ العمل على بناء قلعته في منطقة الشوف. لم يكن وراء المشروع جيش من العمال ولا ثروة هائلة؛ كان وراءه رجل قرر أن يحول حلمه القديم إلى حقيقة، حجرا بعد حجر.
ومرت السنوات، وتحولت قطعة الأرض إلى قلعة ترتفع أمام أعين الناس. كان موسى ينحت الحجارة ويضيف التفاصيل والمجسمات التي تحكي جوانب من الحياة اللبنانية القديمة، حتى أصبحت القلعة أشبه بكتاب مفتوح، كل حجر فيه يحكي فصلًا من حياته. وما بدأ يوما برسم على ورقة أصبح بناء حقيقيا يقف شامخا على الجبل.
رحل موسى عام 2018، لكن القلعة بقيت. بقيت لتروي قصة رجل لم يسمح للفقر أن يقتل حلمه، ولا لسخرية الآخرين أن تقنعه بأنه عاجز عن تحقيقه. وربما كانت أجمل رسالة تركها خلفه أن الإنسان لا يُقاس دائما بما يملكه عندما يبدأ، وإنما بما يستطيع أن يصنعه عندما يؤمن بما يريد…
هذه هي حكايتنا الأولى من الدنيا… حكاية رجل عادي، حمل حلما صغيرا في قلبه، حتى أصبح ذلك الحلم قلعة يراها الناس بأعينهم.
إلى اللقاء في حكاية أخرى…









