المثقفون والانكفاء في المناطق الرمادية والأبراج العاجية

كتب: أ. د. مسعود عمشوش

 

ثمة مفارقة تستحق التأمل في سلوك بعض المثقفين اليوم؛ فبينما تتوالى الأحداث العصيبة من حولهم، وتعيد تشكيل حياة الناس ومصائرهم، يختار هؤلاء الانكفاء إلى مساحاتهم الثقافية الآمنة، كأن ما يجري خارجها لا يعنيهم، أو كأن الثقافة جزيرة معزولة تستطيع أن تحافظ على نقائها فيما تتصدع الأرض من تحت أقدام الجميع.

يتذرعون بالرغبة في البقاء داخل الحقل الثقافي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكأن التفاعل مع قضايا الواقع انتقاص من مكانتهم الفكرية، أو خروج عن الوظيفة التي اختاروها لأنفسهم. وهكذا تتحول الثقافة، في بعض تجلياتها، من أداة لفهم الحياة ومساءلة تحولات المجتمع إلى ملاذ أنيق للابتعاد عنها؛ ويتحول المثقف من شاهد على عصره إلى مراقب حذر يفضّل ألّا يترك أثرًا في المشهد، حتى لا يضطر يومًا إلى دفع ثمن موقف.

ليس المطلوب من المثقف أن يتحول إلى محلل عسكري، أو خبير اقتصادي، أو ناطق باسم طرف سياسي. وليس مطلوبًا منه أن يتخذ موقفًا متعجلًا من كل حدث، أو أن يتخلى عن استقلاله الفكري إرضاءً لمزاج عام أو استجابة لضغوط الجماعة. لكن ثمة مسافة واسعة بين التريث الذي تفرضه مسؤولية المعرفة، والصمت الذي تفرضه الرغبة في تجنب الكلفة؛ وبين الاستقلال عن الاستقطاب، والانسحاب من القضايا التي تمس حياة الناس ومستقبلهم.

إن الأحداث الكبرى التي تشهدها بلادنا اليوم لا تستأذن المثقفين قبل أن تعبر أبوابهم، ولا تنتظر فراغهم من مشروعاتهم الثقافية كي تبدأ في تغيير واقعهم. فالحروب لا تظل شأنًا عسكريًا خالصًا، والأزمات الاقتصادية لا تبقى أرقامًا في تقارير الخبراء؛ إذ سرعان ما تتسلل إلى تفاصيل الحياة، وتعيد ترتيب أولويات الناس، وتؤثر في وعيهم وذاكرتهم وعلاقتهم بالمكان والمستقبل. وعند هذه النقطة، يصبح تجاهلها نوعًا من الانفصال عن المادة الحقيقية التي يفترض أن تنشغل بها الثقافة: الإنسان في مواجهة عصره.

والمفارقة أن بعض المثقفين الذين يوسعون دوائر التأمل في قضايا الأدب والإنسان والحرية والعدالة، ويستغرقون في مناقشة التحولات الفكرية البعيدة، يضيق مجال اهتمامهم حين تصبح هذه المفاهيم أسئلة حية في محيطهم المباشر. كأن الإنسان الذي يكتبون عنه في الكتب ليس هو ذاته الذي يواجه القلق والفقر والخوف وتبدلات الواقع من حولهم. وكأن الثقافة تستطيع أن تحتفظ بمصداقيتها وهي تتجنب اختبار مبادئها في الحياة التي نشأت منها.

قد يكون وراء هذا الصمت خوف مشروع، أو حرص على تجنب الاصطفاف، أو اعتقاد بأن الدور الثقافي ينبغي أن يظل مستقلًا عن ضجيج الأحداث. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح هذا التبرير قاعدة دائمة، وحين تتحول المحافظة على الموقع الثقافي إلى غاية تتقدم على المسؤولية تجاه المجتمع. عندئذ لا يعود السؤال عن حق المثقف في الصمت، وهو حق لا ينازعه فيه أحد، بل عن المعنى الذي تكتسبه ثقافة تنشغل بكل شيء تقريبًا، إلا بما يثقل حياة الناس ويحدد ملامح مستقبلهم.

إن الثقافة ليست نقيضًا للواقع، ولا استقلالها مرادفًا للغياب عنه. بل إن قيمتها الحقيقية تظهر حين تستطيع قراءة الأحداث، وتفكيك خطاب أطرافها، وكشف تناقضاتها، والإنصات إلى ما تخلفه في حياة الناس، من دون أن تصبح أسيرة لأي طرف أو بوقًا لأي رواية. وليس على المثقف أن يمتلك أجوبة جاهزة، لكن عليه ألّا يتخذ من غياب الإجابات ذريعة للامتناع عن طرح الأسئلة.

فما جدوى الأبراج العاجية إذا كانت ترتفع فوق أرض تتصدع، وما قيمة الانشغال بشؤون الثقافة إذا كان هذا الانشغال يُستخدم لتبرير إدارة الظهر للتحولات التي تعيد تشكيل المجتمع؟ لعل المعضلة ليست في أن بعض المثقفين اختاروا الابتعاد عن السياسة، بل في أن بعضهم بات يخلط بين الابتعاد عن الاستقطاب والابتعاد عن الواقع، وبين حماية استقلاله الفكري وإعفاء نفسه من مسؤولية الشهادة على عصره.

فالمثقف ليس مطالبًا بأن يكون في قلب المعركة، لكنه ليس معفى من رؤية ما تفعله المعارك بالعالم الذي يعيش فيه. والثقافة التي تخشى ملامسة الواقع قد تنجح في حماية أصحابها من ضجيجه، لكنها تخاطر بأن تفقد، مع الوقت، قدرتها على فهمه والتأثير فيه.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى