18 أكتوبر يوم استقلال أذربيجان الدولة المسلمة التي تحارب الحجاب باسم العلمانية

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

 

في آسيا وعلى بحر قزوين هناك دولة مسلمة تعدادها عشرة ملايين نسمة ستة وتسعون في المائة منهم مسلمون شيعة وسنة ولكن دستورها يقول إنها دولة علمانية وفي الثامن عشر من أكتوبر من كل عام تحتفل هذه الدولة بيوم استقلالها وفي نفس اليوم تمنع بناتها من دخول المدارس لأنهن يلبسن الحجاب إنها جمهورية أذربيجان Azerbaijan التي تعتبر واحدة من أكثر القصص تعقيدا في العالم الإسلامي بين الدين والدولة وبين النفط والهوية وبين الاستقلال والتبعية.

 

نبدأ من التاريخ فأذربيجان كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية ثم استقلت لأول مرة في 28 مايو عام 1918 وأسست أول جمهورية ديمقراطية في الشرق الإسلامي تسمى جمهورية أذربيجان الديمقراطية Azerbaijan Democratic Republic وكان عاصمتها غنجة Ganja ثم باكو Baku وكان رئيسها محمد أمين رسول زاده Mammad Amin Rasulzade وكانت أول دولة مسلمة تمنح المرأة حق الانتخاب ولكنها لم تعش إلا 23 شهرا فقط ففي 28 أبريل عام 1920 غزاها الجيش الأحمر السوفيتي وأصبحت جمهورية سوفيتية Azerbaijan SSR لمدة 71 سنة.

 

وفي تلك الفترة السوفيتية حوربت كل مظاهر الدين فأغلقت المساجد وهدمت المدارس الدينية ومنع الحجاب ومنع الأذان وكانت أذربيجان هي التي تمد الاتحاد السوفيتي كله بالنفط ففي الحرب العالمية الثانية كانت باكو تنتج ثمانين في المائة من نفط الجيش الأحمر.

 

ثم جاءت سنة 1991 سنة انهيار الاتحاد السوفيتي ففي 30 أغسطس عام 1991 أعلن المجلس الأعلى لأذربيجان Supreme Soviet إعلان استعادة الاستقلال ثم في 18 أكتوبر عام 1991 ناقش المجلس لمدة أربعة أيام من 8 إلى 18 أكتوبر ثم تبنى القانون الدستوري بشأن استقلال الدولة Constitutional Act on State Independence وقال فيه إن أذربيجان هي الوريث الشرعي لجمهورية 1918 وإنها دولة مستقلة ذات سيادة ثم في 29 ديسمبر 1991 جرى استفتاء شعبي فصوت أكثر من تسعة وتسعين في المائة لصالح الاستقلال.

 

ولكن الاستقلال على الورق لم يكن استقلالا حقيقيا فالبلد دخل في فوضى وحرب كاراباخ مع أرمينيا واحتلت أرمينيا عشرين في المائة من أراضي أذربيجان وشرد أكثر من مليون أذربيجاني من قراباغ Karabakh حتى جاء حيدر علييف Heydar Aliyev الزعيم السابق للحزب الشيوعي ورئيس الكي جي بي في أذربيجان وعودة في يونيو عام 1993 بطلب من الشعب فأوقف الحرب وأوقف الفوضى وقال مقولته الشهيرة حماية الاستقلال أصعب من الحصول عليه وأعلن أن استقلال أذربيجان أبدي ولا رجعة فيه.

 

ثم وقع في 20 سبتمبر عام 1994 ما يسمى عقد القرن Contract of the Century مع 11 شركة نفط عالمية بريطانية وأمريكية وروسية وتركية لتطوير حقول بحر قزوين Caspian Sea فأصبحت أذربيجان مالكة ثروتها لأول مرة ثم بنى خط أنابيب باكو تبليسي جيهان Baku Tbilisi Ceyhan بطول 1776 كيلومترا ينقل النفط إلى البحر المتوسط وبدأ الضخ في مايو 2005 فأصبحت دولة نفطية غنية.

 

ثم جاء ابنه إلهام علييف Ilham Aliyev رئيسا منذ 2003 حتى اليوم فأكمل المشروع وفي عام 2020 خاض حرب 44 يوما واستعاد معظم قراباغ ثم في 19 و20 سبتمبر عام 2023 نفذ عملية عسكرية وأنهى الكيان الأرمني الانفصالي في قراباغ وأعلن السيادة الكاملة على كل أراضي أذربيجان ولهذا فعندما تحتفل أذربيجان في 18 أكتوبر تقول إنها تحتفل بيوم استعادة الاستقلال الذي أصبح حقيقة كاملة الآن.

 

وبموجب قانون جديد أصدره الرئيس إلهام علييف في 15 أكتوبر عام 2021 تم تقسيم الأعياد فأصبح 28 مايو هو يوم الاستقلال Day of Independence ذكرى 1918 وأصبح 18 أكتوبر هو يوم استعادة الاستقلال Day of Restoration of Independence ذكرى 1991م.

 

والآن نأتي إلى النظام السياسي فأذربيجان حسب الدستور دولة علمانية ديمقراطية رئاسية المادة 18 من الدستور تقول إن الدين منفصل عن الدولة وإن التعليم نظام علماني والمادة 48 تقول إن لكل إنسان حرية الضمير وحرية ممارسة الدين والمادة 42 تقول إن لكل إنسان حق التعليم والمادة 7 تقول إن الدولة الأذربيجانية وريثة جمهورية 1918 ولكن الواقع أن النظام هو نظام رئاسي قوي جدا فالرئيس هو الحاكم الفعلي والبرلمان Milli Majlis شكلي وحزب أذربيجان الجديدة New Azerbaijan Party هو الحزب الحاكم منذ 1993 والمعارضة ضعيفة جدا ومنظمات حقوق الإنسان تقول إن هناك قمعا للصحافة والمعارضة.

 

أما قضية الحجاب فهي القصة الأخطر في أذربيجان رغم أنها دولة 96 في المائة مسلمون إلا أن الدولة تطبق علمانية متشددة على الطريقة الفرنسية وليس على الطريقة التركية المتسامحة فمنذ 10 ديسمبر عام 2010 منعت وزارة التربية في أذربيجان الحجاب في المدارس الحكومية بقرار الزي الموحد Uniform Code وقالت إن المدارس يجب أن تكون علمانية وأن الحجاب يخالف المبدأ العلماني.

 

ثم جاء القرار الجديد الأخطر في 21 سبتمبر عام 2025 قرار مجلس الوزراء رقم 309 Resolution No 309 بتعديل وصف الزي المدرسي لطلاب مؤسسات التعليم العام الحكومية Descriptions of Uniforms for Students of State General Education Institutions ونص القرار على منع أي ملابس إضافية تخل بمتطلبات الزي المدرسي وتتعارض مع مبدأ علمانية التعليم ولم يذكر كلمة حجاب صراحة ولكنه قال أي لباس يخالف العلمانية ممنوع ثم في 6 أكتوبر 2025 صدر قرار آخر يمنع المعلمات من لبس الحجاب داخل المدرسة ويقول إن المعلمة يجب أن تمثل المعايير المهنية Professional Standards والسمعة العامة للمدرسة.

 

وبدأ التطبيق فورا ففي باكو ومناطق أخرى منعت مدارس طالبات محجبات من دخول الفصول وأدخلت بعض الطالبات إلى غرف صغيرة جانبية وقالت إحدى الطالبات في فيديو انتشر أمي تظن أنني في الفصل أتعلم ولكنهم وضعوني في غرفة صغيرة كالكوخ وأخفوني عن الأطفال الآخرين ومنعت معلمات محجبات مثل المعلمة زهرة حسنوفا Zahra Hasanova التي قالت لقناة الجزيرة Al Jazeera بصراحة أنا متأثرة قليلا أنا مجروحة الحجاب اختيار شخصي وإذا أردت يوما أن أخلعه فيجب أن يكون اختياري أنا أيضا.

 

واندلعت احتجاجات في باكو وفي مدن أخرى وقاطع طلاب في مدرستين على الأقل الدروس وانتشرت مقاطع فيديو لطالبات يبكين ويحتضن المعلمات الممنوعات وقالت وزارة الداخلية إنها اعتقلت 37 شخصا بعد فتح تحقيق جنائي بتهمة الإخلال بالنظام العام لأنهم واجهوا موظفي المدارس حول متطلبات الزي.

 

وقالت وكالة الأنباء الحكومية APA إن الهدف هو ضمان زي موحد يعكس المبدأ العلماني وإن الملابس التي تعكس تاريخ وثقافة وقيم أذربيجان يمكن ارتداؤها في الاحتفالات بموافقة المجلس التربوي Pedagogical Council وقالت تلفزيون الدولة AZ TV إن القرار هو لصد كل تحرك يريد إضافة قيم عربية فارسية Arab Persian Values إلى الهوية الأذربيجانية وإن للمدرسة زي مدرسي ويجب على الجميع احترامه.

 

ولكن المعارضة الدينية تقول إن هذا يخالف الدستور نفسه فالمادة 48 تضمن حرية الدين والمادة 42 تضمن حق التعليم فكيف تمنع فتاة من التعليم لأنها محجبة وقالت منظمة JAMnews إن التعديلات لا تنص صراحة على الفصل من الدراسة كعقوبة ولكن المدارس طبقتها كذلك وأعلنت إدارة تعليم مدينة باكو في 9 أكتوبر عمليات تفتيش للالتزام بالملابس بين الطلاب والمعلمين.

 

وهناك بعد سياسي خارجي فأذربيجان تخاف من النفوذ الإيراني لأنها دولة شيعية مثل إيران وإيران تحاول استغلال التشيع لنشر نفوذها فتقول الحكومة في باكو إن الحجاب المتشدد هو نفوذ إيراني ويجب محاربته كما تخاف من النفوذ الوهابي السني القادم من الشمال.

 

وهذا القرار فتح خلافا نادرا بين أذربيجان وتركيا رغم أن البلدين يقولان نحن أمة واحدة في دولتين One Nation Two States ورغم أن مؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك قال فرح أذربيجان فرحنا وحزنها حزننا ورغم أن بينهما حلف دفاع وثلاثة مليارات دولار تجارة ولغتهما متشابهة إلا أن مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان Oktay Saral قال يوم الاثنين إن قرارات أذربيجان تحرم الفتيات المحجبات من حق التعليم ويجب تصحيح هذا الخطأ في أقرب وقت وخرجت مظاهرات أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول تشبه ما حدث في تركيا عام 1997 عندما منعت تركيا الحجاب ثم ألغته.

 

وهناك صحفي سجين في أذربيجان اسمه بولاد أصلانوف Polad Aslanov محكوم 16 سنة بتهمة الخيانة العظمى منذ 2020 بدأ إضرابا عن الطعام احتجاجا على القرار وقال إنه انتهاك للحقوق الدستورية.

 

وهكذا فإن أذربيجان التي تحتفل في 18 أكتوبر بيوم استعادة الاستقلال كدولة مسلمة مستقلة ذات سيادة على بحر قزوين تملك النفط والغاز وتملك قرارها السيادي الكامل بعد حرب قراباغ تعيش تناقضا صارخا فهي دولة مسلمة تمنع الحجاب في مدارسها باسم العلمانية ودولة علمانية تمنع بناتها من التعليم باسم الزي الموحد ودولة 96 في المائة مسلمون تقول تلفزيونها الرسمي إن الحجاب قيم عربية فارسية دخيلة على الهوية الأذربيجانية.

 

ولهذا فإن الثامن عشر من أكتوبر في أذربيجان ليس فقط يوم استقلال بل هو يوم سؤال كبير هل الاستقلال يعني استقلال الأرض فقط أم استقلال الهوية أيضا وهل العلمانية تعني حياد الدولة أم محاربة الدين وهل الدولة التي حاربت 71 سنة من السوفيت لتحافظ على لغتها ودينها ستحارب اليوم حجاب بناتها باسم الحداثة …..

 

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

18 أكتوبر يوم استقلال أذربيجان الدولة المسلمة التي تحارب الحجاب باسم العلمانية …

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى