يوم 23 أكتوبر عام1911.. أول قصف جوي في التاريخ في ليبيا

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

 

اليوم الذي أسقطت فيه السماء أول قنبلة على البشر ..

كيف بدأ عصر القصف الجوي من سماء ليبيا؟

 

قبل هذا اليوم كان الإنسان ينظر إلى الطائرة كأعجوبة جميلة تحلق في السماء للفرجة والسباق ولم يكن يخطر في بال أحد أن هذه الآلة الخشبية الصغيرة التي تطير ببطء ستصبح بعد سنوات قليلة آلة موت تحرق المدن وتقتل الملايين لكن في صباح يوم الاثنين الثالث والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وأحد عشر في واحة صغيرة قرب طرابلس اسمها عين زارة تغير كل شيء إلى الأبد.

 

ما الذي حدث ولماذا ليبيا

 

في ذلك العام كانت إيطاليا دولة حديثة تبحث عن مستعمرة لتثبت أنها قوة عظمى مثل بريطانيا وفرنسا وكانت ليبيا تحت الحكم العثماني منذ أربعمائة سنة وكانت الدولة العثمانية ضعيفة جدا فقررت إيطاليا أن تحتل ليبيا وأعلنت الحرب في التاسع والعشرين من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وأحد عشر وأنزلت ستة وثلاثين ألف جندي إيطالي على شواطئ طرابلس وبنغازي وبدأت أول حرب استعمارية إيطالية.

 

وكان مع الجيش الإيطالي سلاح جديد لم يجربه أحد في حرب من قبل وهو الطيران فأرسلت إيطاليا تسع طائرات فقط إلى ليبيا من نوع فارمان Farman وبليريو Blériot وكانت طائرات بدائية جدا مصنوعة من الخشب والقماش ووزنها مائتان وخمسون كيلوغراما وسرعتها مائة كيلومتر في الساعة وبدون قمرة قيادة وكان الطيار يجلس في الهواء الطلق ويرتدي نظارة وقبعة جلدية وكانوا يستخدمونها فقط للاستطلاع أي لتصوير مواقع العدو.

 

وكان بين الطيارين شاب ملازم ثاني عمره تسعة وعشرون سنة اسمه جوليو غافوتي Giulio Gavotti من مدينة جنوة Genoa وكان مهندسا وطيارا مغامرا وكان قبل ذلك بطلا في سباقات الدراجات وكان يطير بطائرة من نوع فارمان Farman III وكان يفكر في شيء لم يفكر فيه أحد قبله لماذا لا نرمي قنابل من الطائرة على العدو.

 

فكرة القنبلة التي في الجيب

 

في مساء الثاني والعشرين من أكتوبر ذهب غافوتي إلى ورشة الجيش الإيطالي في طرابلس وطلب أربع قنابل يدوية من نوع هاوزن سيبيلي Haasen Cibilie وزن كل واحدة كيلو ونصف وكانت قنابل صغيرة كروية تشبه التفاحة وكانوا يستخدمونها للجنود في الخنادق فأخذها ووضعها في جيوب معطفه الجلدي واحدة في الجيب اليمين وثلاث في الجيب اليسار وكتب في مذكرته غدا سأجرب شيئا جديدا.

 

وفي صباح الثالث والعشرين من أكتوبر الساعة السادسة صباحا أقلع غافوتي من مطار عين زارة الترابي الذي كان مجرد أرض مسطحة وكان ارتفاعه سبعمائة قدم أي حوالي مائتين وعشرة أمتار فقط وكان يطير فوق واحة عين زارة التي كان يتمركز فيها جنود عثمانيون وليبيون مجاهدون وكان عددهم حوالي ألفين مجاهد يقاومون الإيطاليين.

 

وعندما وصل فوق الواحة أمسك أول قنبلة بيده اليمين ونزع صمام الأمان بأسنانه ورماها من فوق حافة الطائرة ونظر إليها وهي تسقط ثم سمع انفجارا صغيرا على الأرض ولم يصب أحدا لأن القنبلة سقطت في سوق صغير للخضار وكانت خالية في ذلك الوقت.

 

ثم طار قليلا ورمى القنبلة الثانية على معسكر عثماني قرب قرية تاجوراء فانفجرت قرب خيمة ولم تقتل أحدا أيضا ثم رمى الثالثة والرابعة على نفس المعسكر وانفجرتا في الرمال.

 

وعاد إلى القاعدة وهبط سالما وكتب في تقريره الرسمي الذي لا يزال محفوظا في أرشيف سلاح الجو الإيطالي في روما اليوم قررت أن أجرب رمي القنابل من الطائرة وهذا أول قصف جوي في التاريخ وقد تم بنجاح.

 

ردود الفعل المذهولة في العالم

 

عندما وصل الخبر إلى روما اعتبرته الصحف الإيطالية بطولة عظيمة وكتبت صحيفة كورييري ديلا سيرا Corriere della Sera إن الملازم غافوتي فتح عصرا جديدا في الحرب.

 

وعندما وصل الخبر إلى إسطنبول اعتبره العثمانيون جريمة حرب وأرسلوا احتجاجا إلى الصليب الأحمر الدولي وقالوا إن استخدام الطائرة لقتل البشر عمل غير إنساني

 

وعندما وصل الخبر إلى لندن وباريس سخرت الصحف في البداية وقالت إن أربع قنابل وزنها ستة كيلوغرامات لا تقتل أحدا لكن الجنرالات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا أخذوا الفكرة بجدية شديدة وبدأوا فورا في تطوير قنابل خاصة للطائرات.

 

وبعد أسبوع واحد فقط من قصف غافوتي قام طيار إيطالي آخر اسمه كارلو بياتزا Carlo Piazza برمي منشورات من الطائرة على العرب الليبيين يقول فيها استسلموا فنحن نسيطر على السماء أيضا وكانت أول حرب نفسية جوية في التاريخ.

 

وبعد عشرة أيام قام نفس الطيار غافوتي بتجربة أخرى فأخذ مسدسا معه في الطائرة وأطلق النار على جنود عثمانيين من السماء وكانت أول مرة يطلق فيها طيار النار من الجو.

 

كيف تحولت فكرة مجنونة إلى صناعة إبادة

 

في ذلك الوقت كانت الطائرة لا تستطيع حمل أكثر من ستة كيلوغرامات لكن الفكرة انتشرت كالنار ففي عام ألف وتسعمائة واثني عشر أي بعد سنة واحدة فقط صنعت إيطاليا أول قنبلة جوية حقيقية وزنها عشرة كيلوغرامات.

 

وفي عام ألف وتسعمائة وأربعة عشر في بداية الحرب العالمية الأولى كانت كل جيوش العالم تمتلك قاذفات قنابل فألمانيا صنعت طائرة جوثا Gotha تستطيع حمل خمسمائة كيلوغرام من القنابل وقصفت لندن وباريس وقتلت الآلاف.

 

وفي الحرب العالمية الثانية أصبحت الطائرة الواحدة تحمل عشرة آلاف كيلوغرام من القنابل وقصفت طائرة واحدة مدينة كاملة مثل دريسدن هيروشيما.

 

وكل هذا بدأ من أربع قنابل صغيرة رماها شاب إيطالي من جيب معطفه فوق واحة ليبية صغيرة.

 

ماذا حدث لجوليو غافوتي بعد ذلك

 

عاد غافوتي إلى إيطاليا بطلا وأصبح جنرالا في سلاح الجو الإيطالي وشارك في الحرب العالمية الأولى وقاد سرب قاذفات ونجا من الموت عدة مرات ثم ترك الجيش وأصبح مهندسا ومديرا لمصنع سيارات فيات Fiat في تورينو وتوفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين عن عمر سبعة وخمسين سنة قبل أن يرى كيف تحولت فكرته إلى قنبلة ذرية دمرت هيروشيما.

 

وماذا حدث لليبيا

 

بعد ذلك القصف استمرت الحرب الإيطالية الليبية عشرين سنة وقاوم الليبيون بقيادة الزعيم القائد الشيخ عمر المختار “شيخ الشهداء” حتى عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين وقتل الإيطاليون أكثر من مائة ألف ليبي في معسكرات الاعتقال وقصفوا المساجد والأسواق بالطائرات التي بدأت بفكرة غافوتي.

 

والعبرة التي يجب أن تذكرها هي إن التكنولوجيا لا تعرف الخير ولا الشر فالطائرة اخترعت لنقل الإنسان وتقريب المسافات لكن الإنسان هو الذي حولها إلى أداة قتل وأن أول قنبلة سقطت من السماء سقطت على أرض عربية مسلمة في ليبيا وأن هذا التاريخ يجب أن يدرس في مدارسنا حتى يعرف أبناؤنا أن تاريخ القصف الجوي بدأ من عندنا وأن من يملك السماء يملك الأرض …..

 

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

 

23 أكتوبر عام1911م تم فيه أول قصف جوي في التاريخ في ليبيا ..

برمي 4 قنابل يدوية من طائرة …

عبر قيام طيار إيطالي اسمه جوليو غافوتي Giulio Gavotti برمي 4 قنابل يدوية من طائرة على جنود عثمانيين في واحة عين زارة قرب طرابلس وكانت أول مرة تقصف فيها طائرة بشراً …

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى