حنين الى زمن الجيرة والقلوب المتآلفة

بقلم: نجيب الداعري

ما إن كان طفل الجيران يطلّ عند بابنا، حتى كانت ملامحه الصغيرة تحمل إلينا دفء بيتٍ كامل، وهو يسأل بخجلٍ محبّب: معكم شوية بصل أو طماطم أو ملح، فلم تكن طرقته طلبًا عابرًا، بل تحيةً تعبر من قلبٍ إلى قلب، ورسالةً تختصر معنى الجيرة، حين كان الجار أهلًا وسندًا، وكانت المسافة بين البيوت أقصر من أن تفصل بين القلوب.

في تلك الأيام، كانت الأبواب مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحًا، تتبادل البيوت الطعام وتتقاسم بركة الرزق بعفوية ومحبة، وكانت الجيرة ميثاقًا من المودة والتكافل؛ يفرح الجار لفرح جاره، ويحزن لحزنه، بل قد يتوقف العرس وتُؤجَّل مظاهر الفرح إذا ألمّت بالجار مصيبة، مراعاةً لمشاعره وتقديرًا لحقه.

أما اليوم، حدّث ولا حرج، فقد تُشيَّع جنازة جار، بينما تتعالى في البيت المجاور أصوات الطبول والألعاب النارية، دون مراعاة لمشاعر أهل المصاب أو حرمة الحزن، والأشد إيلامًا أن بعض الجيران يعيشون سنوات متجاورين دون معرفة حقيقية لهوية كليهما، حتى امتدّ هذا الجفاء أحيانًا إلى الإخوة والأقارب، وكأن صلة القربى والجوار باتت بحاجة إلى من يعيد إليها دفء الماضي.

فما أجمل أن يعود طفل الجيران ليطرق بابنا، لا لأن بيته يفتقر إلى شيء، بل لأن بين البيتين مودةً لا تحتاج إلى موعد، وقلوبًا لا تعرف الحواجز، فسؤالٌ عن غائب، واطمئنانٌ على مريض، ومشاركةٌ في فرح، ومواساةٌ في حزن، قد تعيد إلى العلاقات روحها، وإلى البيوت ألفتها المفقودة.

ختامًا،،
ليتنا نستعيد للجيرة روحها، وللقلوب ألفتها، فما أجمل أن يكون الجار أهلًا، والقريب سندًا، والمودة جسرًا لا تقطعها الأيام ولا تمحوها المسافات، فاللهم ارحم قلوبًا أرهقها الجفاء، وأعِد إلى بيوتنا دفء المحبة، وإلى علاقاتنا صدق المودة، واجعل الجيرة وفاءً نعيشه، لا ذكرى نتحسّر عليها.

دمتم في رعاية الله.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى