من الرياض إلى الجنوب.. من التجأ للسياسة كيف تحول إلى سجين؟!

الصحفي/ راشد بن ضيف الله العنزي

 

هناك لحظات سياقها التاريخي لا يحتمل التلعثم ولا يتسع للمداراة.

يصبح فيها الصمت تواطؤاً، وتتحول مراجعة السياسات إلى فرض عين وطني وأخلاقي، مهما بلغت مرارة الحقيقة أو اصطدمت بحسابات الغرف المغلقة.

 

ما يجري اليوم في ملف وفد المجلس الانتقالي الجنوبي يستوجب مكاشفة عاصفة ووقفة حازمة داخل المملكة العربية السعودية. لا نكتب هنا انحيازاً لفصيل، ولا دفاعاً عن أجندات سياسية؛ بل دفاعاً عن كرامة السياسة السعودية نفسها.

ولنقرر مبدأً غير قابل للتفاوض: حرية الإنسان وكرامته ليسا صكاً يباع ويشترى في أسواق السياسة.

 

منذ الخامس من يناير 2026، والوفد الجنوبي الذي قدم إلى الرياض بناءً على دعوة رسمية وضمانات أدبية، يرزح ملفه تحت غموض وممارسات تُسقط عن اللقاء صفة التفاوض.

 

واليوم، بعد مرور عشرة أشهر من الاحتجاز الخفي، تكسر الأصوات القادمة من خلف الأبواب المغلقة حاجز الصمت، لتكشف عن مصادرة الهواتف، والتحقيقات المذلة، وتقييد الحركة، وتجريد أعضاء الوفد من أبسط حقوقهم الإنسانية والسياسية بالعودة إلى عاصمتهم عدن.

 

وهنا تفرض الأسئلة المباشرة نفسها بلا تجميل:

 

كيف نجرؤ على الحديث عن “رعاية الحوار” وبناء الجسور، بينما تحولت دعوتنا الرسمية إلى فخ لتقييد حرية من لبّوها؟

 

وكيف ننتظر من الشارع الجنوبي أن يثق بمسار سياسي، ورجاله الذين دخلوا الرياض بموجب رسميات الدولة باتوا عاجزين عن الخروج منها لإرادتهم؟

 

إن صرخة الخليفة الفاروق: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟» ليست نصاً تاريخياً للاستشهاد الخطابي، بل هي حد فاصل يحدد معيار أخلاق الدولة في تعاملها مع الحليف قبل الخصم.

 

لسنا بحاجة للموافقة على كل خطوة للمجلس الانتقالي حتى نرفض انتهاك حقوق أعضائه، ولا يهمنا تبني مشروعه لنستدرك خطورة كسر الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية باحتجاز وفد سياسي؛ فهذه ليست مجرد شائبة إدارية، بل خطأ جسيم يضرب مصداقية الدولة في مقتل.

 

المسألة تعدّت أسماء الأشخاص وتجاوزت تكتيكات المناورة.

 

نحن نتحدث عن شعب جنوبي يملك قضية عادلة وذاكرة مثقلة بالتضحيات والدماء، ومن الجهل السياسي التوهم بأن مشاعره وإرادته يمكن مقايضتها أو التعامل معها كمتغير هامشي في المعادلات الإقليمية.

 

كان مقدورنا إدارة الخلافات السياسية بأدوات الدولة والتحالف، دون السقوط في مستنقع يخرج فيه أعضاء الوفد ليتحدثوا عن ظروف احتجازهم ويستغيثوا بحقهم في العودة.

والأدهى والأمرّ أن هذا التخبيص الإداري والسياسي يجري بينما التهديد الحوثي يتمدد على أعتاب الجميع. فهل من العقل والمصلحة أن نغرس خنجر أزمة ثقة جديدة في ظهر الجبهة الجنوبية؟

 

إن انهيار الجسر بين الرياض والجنوب ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل هو لغم سياسي وأمني يعادل في خطورته أعتى التهديدات الخارجية. الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الأزمة، بل في العقلية التي تديرها عبر فرض سياسة الأمر الواقع وتجاهل الصوت الجنوبي.

 

لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة أصبحت فيها المبادرات السياسية محاطة بالريب والشكوك، وبات فيها السؤال الجنوبي المشروغ: ما قيمة أي حوار لا يضمن حرية المشاركين فيه وحقهم الأصيل في العودة لبلادهم؟

 

ولنقلها دون مواربة: لا يجوز الحفاظ على كبرياء زائف أو غطاء لحسابات ضيقة على حساب علاقة استراتيجية وجغرافية ومصيرية بين المملكة والجنوب.

 

إلى صانع القرار في المملكة:

 

المراجعة قوة وليست انكساراً، والتراجع عن الشطط شجاعة تليق بالدول الكبرى. المطلوب اليوم ليس بيانات تلميع ولا استنزافاً لدعوات حوار جديدة أفرغت من مضمونها، بل إجابات قاطعة: ما هو الوضع القانوني لأعضاء الوفد؟ ولماذا يُمنعون من السفر؟ ومحاسبة من تسبب في تحويل ملف الحوار إلى أزمة احتجاز.

 

إذا كانت هناك خلافات سياسية، فمكانها الموائد والتوافقات أو الفراق الإيجابي، وليس الإجراءات التعسفية التي تترك ندوباً لا تمحى في الوعي الجمعي للجنوبيين.

 

الجنوب عصيّ على الاختزال في وفد، وقضيته أكبر من أن تُطوى بقرارات فوقية أو تفاهمات ثنائية تفتقر للشريعة الشعبية. والظن بأن الضغط السياسي ومصادرة الإرادة يصنعان حليفاً دائماً هو وهم لا ينتج إلا الانفجار.

 

لقد حان وقت انتزاع الأزمة من أيدي العابثين، وإعادة الاعتبار للحوار الحقيقي القائم على الندّية والكرامة والحرية الكاملة. لسنا بحاجة لإضافة عدو جديد، ولا لعميق الجراح، ولا لتحويل ملف سياسي إلى احتجاز وإكراه.

 

نحن بحاجة إلى قرار شجاع يتجاوز عقلية الوصاية، ويصنع الشراكة الحقيقية. فالسياسة التي تفقد كرامة الإنسان تصبح مجرد أداة قمع تفقد معها أهم عناصر بقائها: الثقة.

 

أطلقوا سراح الوفد، وافتحوا أبواب العودة فوراً، واجهوا الرأي العام بالحقيقة. التاريخ لا يغفر، ولن يسجل فقط كم ملكنا من قوة ونفوذ، بل سيسجل كيف تصرفنا مع حلفائنا وحرية شعوبهم.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى