همس اليراع: كهرباء عدن ولعبة القط والفار

كتب / د. عيدروس نصر

لا يمكن التشكيك في صدقية وصوابية وسلامة القرار الذي اتخذه الأخ الوزير أحمد حامد لملس محافظ العاصمة عدن، بخصوص إيقاف توريد العائدات المالية للمحافظة إلى البنك المركزي، والأسباب معروفة، فالمحافظة الأقل فساداً والأكثر انضباطاً في تحصيل إيراداتها وتسليمها لبنك الدولة المركزي هي المنطقة الأكثر حرماناً من الخدمات الأساسية التي عرفتها قبل قرابة قرن من الزمان وقبل جميع مدن الجزيرة العربية والخليج العربي وفي مقدمتها خدمة الكهرباء.
يعتمد معين عبد الملك وطاقمه نفس السياسة التي كان يتبعها نظام ما بعد 7/7/1994م فعندما يشكو الشعب من رداءة الخدمات ونقص الاحتياجات الحياتية الضرورية وتدهور حياة الناس المعيشية يقفزون إلى سجلات وزارة المالية ويقتبسون أرقاماً تدهش المتلقي، فيبدأ بالتحسر على هؤلاء المساكين الذين لا ينامون الليل حراسة على صحة ورفاهية المواطنين بينما يقابلون بالجحود النكران.
وما زلت أتذكر تلك الأجواء التي كانت تسود اجتماعات مجلس النواب اليمني، حينما كانت الأصوات ترتفع احتجاجاً على سوء أداء الحكومة وتردي الأوضاع والعبث بالمال العام وسوء استخدام الموارد، وكان الحال السيء في تلك الأيام يمثل “لعب عيال” بالمقارنة مع ما وصل إليه الحال في زمن معين عبد الملك ومن على شاكلته.
كان رئيس الوزراء أو وزير المالية أو وزير التخطيط والتعاون الدولي (والأخيران غالباً ما كانا نائبين لرئيس الوزراء) يأتي إلى المجلس ويسرد لك قائمة طويلة بالأرقام تتحدث عن مئات المليارات التي تم إنفاقها، فيتخدر البسطاء من النواب -وكلنا بسطاء- بهذه الأرقام المهولة ويخرج الجانب الحكومي منتصراً فقد أعطى جرعة تخدير قوية لأذهان النواب المساكاين الذين كان بعضهم يذهب لتقديم التهنئة لممثل الحكومة على النجاحات التي حققتها في “أداء مهماتها” وهي لم تفعل سوى مجموعة من الخدع البصرية للنواب الغلابا والشعب المغلوب على أمره.
وبطبيعة الحال نادراً ما كان أحد النواب يتساءل عن مدى انعكاس تلك الأرقام المهولة على حياة الناس وعن أسباب استمرار التدهور رغم تلك المليارات، بل إنه حينما كان أحدنا يرفع يده للتساؤل كان يتصدى له رئيس مجلس لنواب محتجاً:
ما عادك تشتي بعد كل اللي سمعته؟
بطلوا مزايدة؟ ويمارس عليه الإرهاب الفكري وإن لم يرتدع قطع عليه المايكرفون ، وما على هذا النائب إلى التوجه إلى المسجد للابتهال إلى الله عن هذا المكر والاستغباء الذي تمارسه السلطات التنفيذية والتشريعية مع هذا الشعب المطحون.
الأرقام التي أوردها مجلس الوزراء في رده على قرار محافظ عدن وكلمته المتلفزة تسير على نفس مسلك الاستغباء الذي يمارسه النظام اليمني على مدى نصف قرن ونيف، فالقائمون على هذا النظام يعتقدون أن الناس ما يزالون عند نفس الغباء والسذاجة وأنهم يأكلون الأرقام ويستهلكون الأوراق التي تتحدث عنها؟
لقد أوردت رسالة رئيس الوزراء أرقاماً تتحدث عن مئات الملايين من الدولارات وعشرات المليارات من الريالات اليمنية، يقول أنها أنفقت من أجل كهرباء عدن وحضرموت سواء على شكل قيمة وقود للكهرباء أو شراء قطع غيار لصيانة محطات التوليد أو ثمن طاقة مشتراة أو غير ذلك، لكنها لم تجب على السؤال: ما هو التحسن الذي طرأ على مستوى خدمة الكهرباء مقابل هذه الملايين والمليارات منذ مجيء معين عبد الملك على رئاسة الحكومة؟ وماذا استفاد المواطن من هذه الملايين والمليارات؟ ولا أظنها ستجيب على هذا السؤال ولو بعد ألف سنة، أتدرون لماذا؟ لأن هذه الملايين والمليارات هي موضوع الفساد الذي يتحدث عنه الصحفيون والكتاب والاستقصائيون والمطلعون على بواطن فساد معين عبد الملك ووزرائه، وهي قيمة الكهرباء المشتراة بعشرات أضعاف كلفتها والمقاولات الوهمية التي ينفذها رئيس الوزراء عن طريق التكليف متجاوزاً قانون المناقصات والمزايدات المتبع في كل العالم والمقر في مجلس النواب اليمني.
اليوم بدأ معين وزميله محافظ البنك المركزي في لعبة القط والفار مع موظفي الدولة، من خلال الحديث عن عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين نتيجة لعدم وجود سيولة مالية، وكأنهم يقولون للشعب المغلوب على أمره: رواتبكم عند لملس خلوه ينفعكم، رغم أن احتجاز الإيرادات لم يبدأ بعد وقد يستغرق أسابيع وربما أشهر حتى يتم تنفيذه عملياً، لكنهم تعلموا من شغل المنشار فنيات الأكل في الطلوع والنزول.

همستان


الأولى: للأخ وزير الدولة محافظ عدن الزميل أحمد حامد لملس، وجميع محافظي محافظات الجنوب التي امتنعت عن توريد عائداتها المالية إلى البنك المركزي، أقول لهم: أنتم على صواب ولا تربككم تهجمات المتهجمين وأقاويل المتقولين، فسيروا على نهجكم هذا حتى تكف هذه الحكومة عن فسادها ويستعيد القائمون عليها غريزة الخجل التي افتقدوها منذ سنوت وعقود.
الثانية: للأخوة في الهيئة الجنوبية لمكافحة الفساد: لقد سمعنا أنكم اتخذتم قراراً بمنع معين عبد الملك من دخول العاصمة عدن، واسمحوا لي أن أقول لكم أنكم بهذا القرار تمنحونه صك براءة من كل الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها بحق أبناء الجنوب واليمن عموماً، أتمنى أن تلغوا قراركم هذا وبدلاً منه أن تتقدموا ببلاغ للنائب العام باستدعاء معين عبد الملك بالعودة الفورية من أين ما كان إلى عدن لحضور جلسة قضائية لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب وأبنائه وبناته والعبث بموارده وثرواته.
والله من وراء القصد.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى