ليلة القدر باينة من عشية… حين تبشّر البدايات بما هو قادم

حسين الشنبكي
في الوجدان الشعبي، لا تأتي الحكمة من فراغ، بل تُولد من تراكم التجارب وصدق الملاحظة. ومن بين تلك الحكم التي يرددها الناس قولهم: “ليلة القدر باينة من عشية”، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة مفادها أن البدايات تحمل في طياتها ملامح النهايات، وأن أول الطريق غالبًا ما يكشف وجهته.
في هذا السياق، لم تكن بداية يوم العيد في محافظة أبين حدثًا عابرًا، بل بدت وكأنها إشارة واضحة لما يمكن أن تكون عليه الأيام القادمة. فقد جاءت خطبة العيد التي ألقاها محافظ المحافظة، مختار الرباش، محمّلة بنبرة مختلفة؛ نبرة تحمل الأمل، وتؤسس لمرحلة يُراد لها أن تكون أكثر إشراقًا واستقرارًا.
لم تكن الكلمات مجرد خطاب رسمي، بل بدت كأنها وعد ضمني بأن عجلة التغيير قد بدأت بالدوران، وأن هناك إرادة حقيقية لفتح صفحة جديدة في تاريخ المحافظة. وحين تأتي هذه الرسائل في صباح يوم العيد، فإنها تكتسب رمزية مضاعفة، لأن العيد في جوهره هو بداية، والبدايات كما تقول الحكمة، هي المؤشر الأصدق.
وكأن الطبيعة نفسها أرادت أن تشارك في هذا المشهد الرمزي؛ فقد تساقطت أمطار خفيفة، لم تكن مجرد ظاهرة جوية، بل بدت وكأنها طقس تطهيري، يغسل الأرض ويهيئها لبداية جديدة. كانت قطرات المطر أشبه برسالة صامتة تقول إن هذه الأرض، التي عانت طويلًا، تستعد لاستقبال مرحلة مختلفة، أكثر نقاءً وصفاءً.
في المخيال الجمعي، كثيرًا ما تُربط الأمطار بالبشائر، وبالخير القادم، وبالبركة التي تسبق التحول. ولهذا لم يكن غريبًا أن يقرأ الناس في تلك اللحظات معنى أعمق من مجرد تغير في الطقس؛ لقد رأوا فيها علامة، وربما إشارة إلى أن العمل الذي ينتظرهم يحتاج إلى بيئة نقية، تُغسل فيها شوائب الماضي، ليُبنى عليها مستقبل أكثر صلابة.
إن ما حدث لم يكن مجرد تزامن بين خطبة وأمطار، بل كان تلاقيًا بين الكلمة والطبيعة، بين الإرادة البشرية وإيقاع الكون. وهذا التلاقي هو ما يمنح اللحظة معناها العميق، ويجعل منها أكثر من مجرد ذكرى، بل نقطة بداية يمكن البناء عليها.
وهكذا، تعود المقولة الشعبية لتثبت حضورها من جديد: “ليلة القدر باينة من عشية”. فإذا كانت البدايات تحمل هذا القدر من الوضوح، وهذا الزخم من الرمزية، فإن الأمل يظل مشروعًا، بل وضروريًا، بأن القادم سيكون أفضل، وأن أبين تقف اليوم على أعتاب مرحلة تُكتب ملامحها الأولى بمداد التفاؤل، وتُسقى بقطرات مطرٍ جاءت في وقتها، وكأنها تعرف تمامًا ما تفعل.


