إلغاء توقيع المحافظ على الشيكات .. بوابة مشرعة للفساد و إهدار المال العام .

كتب/ فؤاد داؤد

إن الرقابة المالية ليست خيارًا إداريًا ، بل هي السياج المنيع الذي يحمي المال العام من العبث ، و يصون مقدرات الدولة من الضياع . و عندما يُلغى توقيع محافظ المحافظة عن شيكات المكاتب التنفيذية، و الإيرادية منها على وجه الخصوص ، فإننا بذلك نُطلق رصاصة الرحمة على مبدأ المساءلة ، و نترك الحبل على الغارب دون حسيب أو رقيب ، و نمنح الفساد صك براءة مفتوحًا بلا قيد أو شرط .

إن إلغاء توقيع المحافظ يعني عمليًا تفكيك آخر حلقات الضبط المالي، و فتح الأبواب على مصراعيها أمام الصرف غير المبرر ، و الإنفاق وفق الأهواء و الأمزجة … فحين يغيب التوقيع الأعلى، يحضر الفساد الأكبر. ويتحول المال العام إلى غنيمة مستباحة ، تُنهب باسم المشاريع الوهمية ، و تُهدر تحت لافتة “الاحتياجات الطارئة ، و يصبح مدير المكتب هو الآمر الناهي ، لا يردعه قانون و لا تردعه سلطة .. إن الشيك بلا توقيع سيادي هو شيك على بياض للفساد، و مفتاح ذهبي لخزينة الدولة بيد من لا يخاف الله و لا يخشى القانون .

و إن كان لدى المحافظ من المهام الجسام ما يثقل كاهله ، فإن القانون لم يغفل هذا. فالدولة لم تُبنَ على أكتاف رجل واحد . فلديه نائب محافظ، و وكيل أول ، و هيكل إداري كامل نص عليه قانون السلطة المحلية . فالمطلوب ليس التخلي عن الرقابة ، بل تفويضها وفق الأطر القانونية ، و ذلك أن يوزع المحافظ بعضًا من صلاحياته على نوابه و وكلائه، و يكلفهم بالتوقيع على الشيكات ضمن تسلسل إداري واضح، يُساءل فيه كل مسؤول عن توقيعه .. فالتفويض المنضبط حماية للمال ، أما إلغاء التوقيع فهو تفريط معلن بالمسؤولية .

و من هنا نستطيع أن نقول : إن بقاء الشيكات بلا توقيع المحافظ أو من يفوضه رسميًا هو إعلان صريح بأن الخزينة العامة بلا بواب، و أن المال العام بلا حارس . و هذا هو الطريق المعبد نحو فساد مالي رهيب ، تُهدر فيه المواردو، و تُفرّغ فيه الخزينة ، و يُدفع ثمنه من قوت المواطن و مستقبل الأجيال .. إن المال السائب يعلّم السرقة ، و الخزينة المفتوحة تغري كل طامع .. فمن أمن العقوبة أساء الصرف .

إن المال العام ليس تركة خاصة يتصرف فيها هذا المدير أو ذاك وفق هواه ، بل هو أمانة في أعناق المسؤولين، و السكوت عن العبث به خيانة موصوفة .. إن التوقيع على الشيك ليس إجراءً شكليًا ، بل هو إقرار بالمسؤولية ، و شهادة على سلامة الصرف ، و درع يحمي المال من أيدي العابثين .. فكل ريال يُصرف بلا مسوغ قانوني هو سهم في صدر التنمية ، و كل توقيع يُلغى هو ضوء أخضر للفاسدين .

إن هيبة الدولة تُقاس بصرامة رقابتها المالية .. و حين تتحول المكاتب الإيرادية إلى إقطاعيات خاصة بلا رقابة عليا ، فإننا نؤسس لجمهوريات فساد صغيرة داخل جسد الدولة . إن التوقيع هو القيد الذي يمنع انفراط العقد ، و هو القفل الذي يحفظ المال ، و متى كُسر القفل سُرقت الخزينة .

و عليه ، فإننا نؤكد على أهمية توقيع المحافظ أو من يفوضه قانونًا على كافة شيكات المكاتب التنفيذية و الإيرادية دون استثناء ، و ذلك تفعيلًا لمبدأ “لا صرف إلا بتوقيع” ، فلا تنمية دون رقابة ، و لا إصلاح دون محاسبة ، و لا ثقة دون شفافية .

إن التهاون في هذا الملف هو تفريط متعمد بمقدرات المحافظة ، و طعن في خاصرة النزاهة ، و خيانة للأمانة التي أقسم المسؤول على صونها. فليكن التوقيع حاضرًا ، ليغيب الفساد .. و ليكن القانون سيدًا ، ليأمن المواطن على ماله و مستقبله .. فالأوطان لا تنهار بغزو الخارج ، بل بفساد الداخل ، و أول مسمار في نعش الدولة يُدق حين يُرفع الغطاء عن خزينتها .

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى