مليونيات الجنوب الحاشدة.. رسائل تثبيت الواقع ورفع سقف التفاوض

أبين ميديا/إرم نيوز
في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، أعاد المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، توجيه رسائله السياسية عبر الحشود الجماهيرية الواسعة التي شهدتها مدن العاصمة عدن والمكلا، ضمن فعاليات إحياء الذكرى السنوية التاسعة لإعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس الانتقالي،في مشهد يتجاوز الطابع الاحتفالي، ليعكس تحركًا سياسيًا متقدمًا في لحظة ترتبط بمستقبل التسوية في البلاد (شمالًا وجنوبًا) وإعادة تشكيل موازين القوى.
رسائل التوقيت..تحرك في ظرف استثنائي:
يضع المجلس الانتقالي هذه الحشود في سياق مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها التحركات المحلية مع متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.
وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي، أن ما يواجهه الجنوب يتجاوز كونه تحديّات عابرة، واصفًا إيّاه بـ”محاولات منظمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر إفراغ الساحة من تمثيلها الحقيقي واستبداله بكيانات لا تعبر عن الإرادة الشعبية”.

وأكد الزُبيدي، في خطاب مسجّل نُشر عبر منصاته الرسمية، مساء الأحد، عشية الاحتفالات الجنوبية بالذكرى التاسعة، أن “الشرعية الحقيقية هي الشرعية الشعبية”، وأن شعب الجنوب يُمثّل مصدرها، في تأكيد يعكس تمسّك المجلس بإعادة تعريف مرجعيات التمثيل السياسي، بالتوازي مع التحولات الجوهرية التي يشهدها الملف اليمني.
وتُفرز هذه الحشود دلالات مرتبطة بتوقيتها، ما إذا كانت تُمثّل تحركًا استباقيًا لفرض واقع ميداني قبل أي ترتيبات دولية جديدة، أو محاولة لرفع سقف الشروط التفاوضية عبر الشارع في لحظة مفصلية.
وفي هذا الصدد، يرى المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي، أن توقيت المليونية وإن كان يأتي إحياءً لذكرى إعلان عدن التاريخي واحتفاءً بها، غير أنه يرتبط بـ”ظرف استثنائي”، مُشيرًا إلى أن “القوى المناهضة للمشروع الجنوبي تحاول إقصاء الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب العربي، من ترتيبات الحل”.

وشدّد التميمي، في تصريح خاص لـ”إرم نيوز”، على أن “التحرك الشعبي السلمي، يُمثّل حائط الصدّ الرئيس لإفشال تلك المحاولات”، لافتًا إلى أنه “قد أثبت فاعليته في كل المنعطفات التي مرت بها القضية الجنوبية”.
ويُقرأ هذا التلاقي في الخطاب السياسي، في سياق سعي المجلس لتأمين موقع متقدم في أي مسار تفاوضي محتمل، باعتبار أن أي تسوية قادمة، قد تعيد ترتيب موازين القوى، ما يدفع المجلس إلى تعزيز حضوره عبر الشارع، بالتوازي مع تحركاته السياسية.

إعادة ترسيخ “الواقع الميداني”:
يوظّف المجلس الانتقالي زخم الحشود، بوصفها تأكيدًا على واقع ميداني قائم، يتمثّل في تصدّر مشروع الاستقلال للمشهد الجنوبي، وفي هذا الخصوص، شدّد الزبيدي في خطابه الأخير، على أن إرادة الجنوبيين تُعدّ “المرجعية العُليا التي لا يُمكن تجاوزها”، في رسالة تُعزّز من خطاب تثبيت التمثيل السياسي.
بدوره، يؤكد التميمي أن المجلس الانتقالي هو “الحامل السياسي المفوّض شعبيًا”، معتبرًا أن الزخم الجماهيري في عدن والمكلا، وما يُرتقب من فعاليات مماثلة في سيئون والمهرة وسقطرى، يُعيد ترسيخ هذا الواقع، ويقوّض محاولات إنتاج بدائل سياسية مدعومة من أطراف مناوئة.
ويبرز هذا التوجه كجزء من مساعي المجلس لإغلاق المجال أمام أي إعادة تشكيل للتمثيل السياسي في الجنوب خارج إطاره.
الشارع كأداة ضغط سياسي:
تعكس الحشود الجماهيرية توظيفًا مباشرًا للشارع كأداة ضغط في سياق سياسي تفاوضي، ما يُعزّز من هذه الفرضية ما ذهب إليه الزُبيدي في خطابه، من خلال تأكيده أن أهداف المجلس “ثابتة ولا تقبل المساومة”، وفي مقدمتها “حقّ تقرير المصير وبناء الدولة المُستقلّة”، منوهًا بأن “أي تسويات لا تنبع من إرادة الجنوبيين، مرفوضة”.
كما حثّ رئيس المجلس، الدول الفاعلة في الملف اليمني، إلى الاستماع لصوت الجنوب، محذرًا من “تجاهل القضية” والذي بدوره سيقود إلى مزيد من التعقيد في ظل التحولات الجارية.
من جانبه، أشار التميمي إلى أن المجلس ضبط إيقاع تحركاته السياسية الراهنة والمقبلة، وفق وثيقتي “الإعلان السياسي” و”الإعلان الدستوري”، الصادرتان في 2 من شهر يناير الماضي، مع إشارته إلى “المضي قُدُمًا لترجمة هاتين الوثيقتين وتحويلهما إلى برامج وخطوات إجرائية.
واختتم حديثه بالتأكيد على “مقاومة أي ضغوط لا تُلبّي تطلعات الجنوبيين، ومواجهة أي ترتيبات تُعيق تمكينهم من مشروع استعادة الدولة المستقلة”، وفق تعبيره.
وبالنظر إلى تدوينة أوردها نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي فرج البحسني، عبر حسابه على “إكس”، يجد المتمعن لها أنها لا تخرج عن الإطار السياسي المرجو من دلالات التوقيت للفعاليات الجماهيرية، إذ أكد بدوره أن “الحشود غير المسبوقة في عدن والمكلا، خرجت لتقول كلمتها وتلتف حول الكيان السياسي الجنوبي.







