حين تكون صفقة تبادل الأسرى خارج القانون الدولي

كتب / د. أمين العلياني
في غياهبِ الصراعٍ الدائر في اليمن والجنوب الذي أنهكَ الأرضَ وأدمى القلب وأضاعَ معالمَ الحقِّ بين ركامِ المصالحِ الضيقة، تَبرُزُ بين الحينِ والآخرِ مشاهدُ من العبثِ السياسيِّ والقانونيِّ تَكشفُ عن تغوُّلِ منطقِ الغَلَبةِ والقوَّةِ على منطقِ الشرعيةِ والعدالة، وتُعلنُ بصوتٍ مبحوحٍ أنَّ بعضَ ما يُقدَّمُ للعالمِ تحت يافطاتِ السلامِ والصفقاتِ الإنسانيَّةِ ليس سوى قنابلَ موقوتةٍ تُزرَعُ في خاصرةِ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، وتُهدِّدُ بتقويضِ ما استقرَّ من أعرافٍ وقواعدَ حمَتْ –وما تزالُ تحمي– ضحايا الحروبِ من جورِ المنتصرِ وغطرسةِ المسلَّح. وإنَّ من أفظعِ ما يُمكنُ أن تُبتلى به شعوبُ الأرضِ أن تُساوَمَ دماؤها، وأن تُباعَ آلامُها في أسواقِ النفوذِ والمناوراتِ الإقليميَّةِ والدوليَّة، وأن يجدَ القتلةُ والمجرمونَ مَن يَرفعُ عنهم سيفَ القصاصِ العادلِ تحت ذريعةِ الأسرى زورًا وبهتانًا، في مشهدٍ لا يَمُتُّ إلى روحِ اتفاقيَّاتِ جنيف بصلة، بل هو انقلابٌ مُريعٌ على جوهرِها الإنسانيِّ النبيل.
لقد جرتِ المياهُ الكدرةُ في أنهارِ المفاوضاتِ الجاريةِ، بوساطةِ سلطنةِ عُمان وبتنسيقٍ مع المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة، لتُفضيَ –في ظاهرِها– إلى ترتيباتٍ لصفقةِ تبادلٍ مرتقبةٍ بين المليشياتِ الحوثيَّةِ وحكومةٍ وُصفت بالشرعيَّةِ لكنَّها نازحةٌ عن أرضِها، مهتزَّةُ البنيان، مُقصَاةٌ عن حاضنتها الطبيعيَّة، مُغيَّبٌ عنها صوتُ الجنوبِ العربيِّ وأهلُه الذين كانوا وما زالوا أوَّلَ مَن ذاقَ كأسَ الظلمِ والتنكيلِ على يدِ تلك المليشيات وتخلي تلك الحكومة التزاماتها الإنسانية والخدمية والمعيشة والحلول السياسية. وعلى الرغمِ من أنَّ هويَّةَ الأشخاصِ الذين تُصرُّ المليشيات الحوثيَّةُ على إدراجِهم في قوائمِ الأسرى لم تُعلَن رسميًّا، فإنَّ كشوفًا مسرَّبةً قد سرتْ كالنارِ في الهشيم، حاملةً بين سطورِها أسماءً تُفجِعُ القلبَ وتُدمي الضمير، وتكشفُ عن حقيقةٍ صادمةٍ مفادُها أنَّ عددًا غيرَ قليلٍ من هؤلاء المطلوبين لا تنطبقُ عليهم –بحسبِ أوضاعِهم القانونيَّةِ الراسخة– صفةُ أسرى الحرب ولا صفةُ المحتجزين على خلفيَّةِ النزاعِ المسلَّح، وإنَّما هم مدانونَ أو متَّهمونَ في قضايا إرهابيَّةٍ وجنائيَّةٍ شنيعة، زلزلتِ الأرضَ وأزهقتِ الأرواحَ وأراقتِ الدماءَ الحرامَ غدرًا وغيلة، من بينِها جرائمُ قتلٍ وتفجيراتٍ مروِّعة، وصلتِ الأحكامُ القضائيَّةُ الصادرةُ بحقِّ بعضِهم إلى عقوبةِ الإعدام، في مقدمتهم القائدُ الجنوبيُّ اللواءُ الركنُ ثابت مثنى جواس الردفاني، ورفاقُه من الحراسةِ الأبطال، وحراسةُ وزيرِ الدولةِ محافظِ عدنَ السابقِ أحمد حامد لملس، وغيرُهم من الذين سُفِكت دماؤهم أو أُزهِقت أرواحُهم غدرًا وإثمًا وعدوانًا.
إنَّ صفةَ أسير الحرب في قاموسِ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ ليست لَقبًا شرفيًّا يُلقى جزافًا على عاتقِ كلِّ مَن تطالبُ به مليشيات مسلَّحةٌ خارجةٌ على الدولة، وليست صكَّ غفرانٍ يمحو جرائمَ الإرهابِ وسفكَ الدماء، وإنَّما هي حالةٌ قانونيَّةٌ تَكتسِبُ بناءً على سببِ الاحتجازِ وغايتِه، لا بناءً على هويَّةِ الشخصِ أو انتمائِه السياسيِّ أو ولائِه الأيديولوجيّ. ولا يكتسبُ أيُّ إنسانٍ هذه الصفةَ الحقوقيَّةَ الرفيعةَ بمجرَّدِ أن يُطالبَ بالإفراجِ عنه أحدُ أطرافِ النزاع والصراع، بل لا بدَّ أن تتوافرَ فيه الشروطُ الدقيقةُ التي نصَّت عليها نصوصُ اتفاقيَّةِ جنيفَ الثالثةِ لعام 1949، والبروتوكول الإضافيُّ الأوَّلُ لعام 1977 الخاصُّ بالنزاعاتِ الدوليَّة، والقواعدُ العرفيَّةُ للقانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ التي بلغت من الرسوخِ مبلغَ اليقين. فأسيرُ الحرب، في روح هذه المواثيق ونصوصِها، هو المقاتلُ الذي يقعُ في الأسرِ أثناءَ الاشتباكاتِ المسلَّحةِ أو بسببِها، لا ذلك القاتلُ المأجورُ الذي يدسُّ السمَّ في العسل، ويفجِّرُ بيوتَ الآمنين، ويسفكُ دماءَ الأبرياءِ في ظلامِ الليلِ الحالك وعلى أزقة الشوارع والطرقات العامة. والخلطُ المتعمَّدُ بين هاتين الفئتينِ المتناقضتينِ في الجوهرِ والغايةِ لا يُعدُّ مجردَ خطإٍ إجرائيٍّ أو سوءِ فهمٍ للقانون، بل هو جريمةٌ مركَّبةٌ تُصادِرُ الحقَّ في العدالة، وتجعلُ من صفقاتِ التبادلِ دريئةً للإفلاتِ من العقاب، وغطاءً لإعادةِ إنتاجِ العنفِ والإرهاب.
وإذا ما ثبتت صحَّةُ تلك الكشوفاتِ المسرَّبة، فإنَّ المشهدَ يغدو أكثرَ قتامةً وأشدَّ إيلامًا، ذلك أنَّ إدراجَ المدانينَ في جرائمَ جنائيَّةٍ وإرهابيَّةٍ ضمنَ صفقاتِ التبادلِ يُثيرُ تساؤلاتٍ قانونيَّةً وجوديَّةً تمسُّ صميمَ الشرعيَّةِ الدوليَّة، ويَطرحُ إشكاليَّةَ مدى توافقِ هذه الممارَساتِ مع الأعرافِ والقواعدِ المنظِّمةِ لتبادلِ الأسرى. إذ إنَّ هذه الصفقات، من حيثُ المبدأُ والأصلُ التاريخيُّ والتشريعيُّ، تُعنى حصرًا بالأشخاصِ الذين تنطبقُ عليهم الصفةُ القانونيَّةُ للأسرى أو المحتجزين المرتبطين بأسبابِ النزاعِ المسلَّح، ولا تمتدُّ مظلَّتُها –بأيِّ حالٍ من الأحوال– لتشملَ المحكومين في جرائمَ جنائيَّةٍ بحتة، ما لم ينصَّ اتفاقٌ قانونيٌّ أو سياسيٌّ صريحٌ على خلاف ذلك، وبشروطٍ لا تُخلُّ بمبادئِ العدالةِ الأساسيَّة. وإنَّ جرَّ هؤلاءِ المجرمينَ إلى دائرةِ الأسرى ليس سوى التواءٍ خطيرٍ على نصوصِ القانون، وتقويضٍ مُمنهجٍ لهَيبةِ القضاء، واستهانةٍ صارخةٍ بدماءِ الضحايا الذين ما زالت عظامُهم تنبضُ في ثرى الجنوبِ العربيِّ، تَصرخُ مطالبةً بقصاصٍ عادلٍ لا يسقطُ بالتقادم، ولا يُباعُ في سوقِ المساوماتِ السياسيَّة.
والأمرُ، في جوهرِه المأساويِّ، لا يقفُ عند حدودِ هذه الخروقاتِ القانونيَّةِ الفادحة، بل يمتدُّ ليَكشفَ عن عوارٍ سياسيٍّ مُقيت، يتمثَّلُ في إقصاءِ الجنوبِ العربيِّ وقضيتِه العادلةِ من المشهدِ التفاوضيِّ كلِّه، وكأنَّما أُريدَ لأهلِ الأرضِ أن يكونوا غرباءَ في أوطانِهم، لا يُستَشارون ولا يُستَأذَنون، بل تُباعُ دماؤهم وتُشتَرى حريَّةُ قتلتِهم خلفَ ظهورهم، وبموافقةِ حكومةٍ نازحةٍ اهتزَّت شرعيَّتُها القانونيَّةُ بقدرِ ما ابتعدت عن حاضنتِها الشعبيَّةِ وأقصت شركاءَها في الدمِ والمصير. وإنَّ أيَّ تسويةٍ تُبنى على أنقاضِ حقوقِ الجنوبيِّين، وتتجاهلُ أحكامَ القضاءِ العادلة، وتَمنحُ القتلةَ والمجرمينَ صكوكَ حريَّةٍ على ورقِ صفقاتِ الأسرى، لهي تسويةٌ مسمومةٌ لا تُنتِجُ سلامًا، بل تُؤجِّجُ نارَ الثأر، وتَزرعُ بذورَ صراعٍ قادمٍ أشدَّ ضراوةً وأكثرَ تدميرًا. ومن هنا فالسلامَ الحقيقيَّ لا يُولَدُ من رحمِ الخيانةِ للدم، ولا يُقامُ على جثثِ الشهداءِ بذرائعَ إنسانيَّةٍ زائفة، بل يُبنى على صخرةِ العدالةِ الصلبة، ويُروى بماءِ القصاصِ الذي يطفئُ لهيبَ القلوبِ المكلومة.
إنَّنا، ونحنُ نكتبُ هذه السطورَ بمدادِ الألمِ والغضبِ المقدَّس، لنُعلنُها صرخةً مدوِّيةً في وجه كلِّ من تسوِّلُ له نفسُه العبثَ بمصائرِ الشعوبِ ومقاديرِ الأوطان: إنَّ القانونَ الدوليَّ الإنسانيَّ ليس مجرَّدَ نصوصٍ صمَّاءَ تُحفَظُ في أدراجِ المنظَّماتِ وتُستحضَرُ عند الحاجةِ لتُوظَّفَ توظيفًا سياسيًّا أعوج، بل هو ضميرُ الأممِ الحيُّ، وسورُها المنيعُ ضدَّ الفوضى والعبث. وإنَّ الجنوبَ العربيّ، الذي قدَّمَ دماءَه الزكيَّةَ قربانًا في معركةِ الدفاعِ عن الأرضِ والعرض، لن يسمحَ بأن تُصادَرَ تضحياتُه، ولن يرضى بأن يُصفَّحَ قاتلُوه بالحريَّةِ تحت سمعِ العالمِ وبصرِه، في صفقةٍ تُذلُّ بها العدالةُ وتُهانُ فيها كرامةُ شعبٍ أبى إلّا أن يكونَ حرًّا أبيًّا. ولْيَعلمِ الجميعُ أنَّ صوتَ الحقِّ في جنوبِنا العربيِّ لن تخفتَه ضوضاءُ المصالح، وأنَّ جذوةَ المطالبةِ بقصاصِ الشهداءِ ستظلُّ متَّقدةً حتَّى يأذنَ اللهُ بيومٍ تُستَرَدُّ فيه الحقوق، ويُقامُ فيه ميزانُ القسط، ويُسحَقُ فيه رأسُ الباطلِ والطغيان.







