عبث المنظمات والتسجيلات العشوائية داخل المديرية

بقلم // محمد مطهف
لم يعد العمل الإنساني في مديرية الوضيع عملاً إنسانياً، بل صار باباً للعبث والفوضى يمر منه كل طامع ومتسلق. ما يجري اليوم من فوضى التسجيلات العشوائية باسم المنظمات قد تجاوز كل حد، وتحول إلى جرحٍ غائر في جسد المديرية لا يندمل إلا بكلمة حق وموقف رجال.
تبدأ المأساة من الكشوفات التي تُعد في الغرف المغلقة، بعيداً عن أعين الناس ورقابة المجتمع. قوائم تُرفع بلا معايير، وأسماء تُحشر بلا استحقاق. فترى المغترب الذي يعيش في رغدٍ خارج الوطن يُدرج اسمه كأشد الناس فقراً، وترى الميت الذي واراه التراب منذ سنين لا يزال “مستفيداً” في دفاترهم، بينما الفقير الحقيقي الذي لا يجد قوت يومه يقف على الأبواب ولا يُفتح له. لقد صارت “الواسطة” هي المعيار، و”القرب من المشرف” هو صك الاستحقاق، أما الجوع والعوز فلا يشفعان لصاحبهما إن لم يكن له سند.
وتبلغ المهزلة ذروتها حين تصل إلى مشاريع شبكات الري والمحميات الزراعية. مشاريع بملايين الريالات تُصرف دون أدنى رقابة أو تدقيق ميداني. شبكات ري تُمنح لمن لا يملك شبراً من الأرض، ولمن لا يعرف البئر إلا اسماً. ومحميات زراعية تُسلم لأناسٍ باعوا أراضيهم أو أجّروا آبارهم لمستثمرين منذ سنوات، ولم يعودوا يزرعون حتى شتلة بقل بأي حق تُهدر هذه الملايين؟ وبأي منطق تُعطى وسائل الإنتاج لمن لا ينتج؟
الفلاح الحقيقي في الوضيع يئن تحت وطأة الجفاف، وأرضه تتشقق عطشاً، ومحصوله يموت أمام عينيه، بينما تُصرف شبكات الري والمحميات للمحاسيب والأصحاب كأنها هبات شخصية لا أموال مخصصة لدعم الأمن الغذائي. لقد تحولت هذه المشاريع من أداة تنمية إلى أداة إفساد، ومن وسيلة لمساعدة المزارع إلى وسيلة لإذلاله وهو يرى حقه يُعطى لغيره.
إن ما يحدث هو استخفافٌ بعقول الناس، ومتاجرةٌ بمعاناتهم، وخيانةٌ للأمانة التي حملتها هذه المنظمات. لقد غابت الرقابة فعاث الفساد، وغاب الضمير فحضرت المحسوبية. وصار بعض مشرفي المنظمات تجار أزمات، يوزعون المساعدات كأنها من جيوبهم، ويمنحون شبكات الري والمحميات كأنها ملك آبائهم.
إن السؤال الذي يخنق كل مواطن في الوضيع اليوم هو: أين المجلس المحلي من كل هذا العبث؟ كيف تُمرر كشوفات شبكات الري والمحميات دون أن ينزل أحد ليتأكد من الأرض والبئر والمزارع؟ كيف يُقبل أن تتحول المنظمات إلى دولة داخل الدولة، تصرف الملايين بلا حسيب ولا رقيب؟
يا أبناء الوضيع، إن السكوت على هذا العبث لم يعد مقبولاً. هذه المساعدات ليست مكرمة من أحد، بل هي حق للفقير والمزارع الحقيقي. وهذا العبث لن يتوقف إلا إذا وقفنا جميعاً ضده، وطالبنا بالشفافية والعدالة. كفى استخفافاً بفقرنا، وكفى متاجرةً بعطش أرضنا، وكفى عبثاً باسم “العمل الإنساني”.



