تهديدات الأمن القومي السعودي والمركز القانوني للشرعية: بين تطبيق سرديته جنوبيًا والتفريط به شمالًا

كتب : د. أمين العلياني

في اللحظة التي اخترقت فيها طائرة إيرانية أجواء السيادة التي تزعمها شرعية المنفى على أرضها، حاملةً على متنها وفودًا حوثية عائدة من طهران، لتلامس عجلاتها مدرج مطار الحديدة الذي تسيطر عليه المليشيات الحوثية، كانت تلك اللحظة الفارقة أشبه بصفعة مدوية على وجه الحقيقة التي طالما تغنت بها شرعية المنفى، وكأن المشهد برمته قد صيغ بعناية درامية ليكشف عوار الادعاءات التي ظلت تتردد في أروقة الدبلوماسية الدولية عن سيادة مزعومة وقانونية واهمة لم تستطع أن تمنع طائرة واحدة من اختراق مجالها الجوي، في مشهد عبثي تتقاذفه رياح المفارقات السياسية القاسية التي تجعل من الشرعية المعترف بها دوليًا كيانًا هلاميًا لا يملك من أمر نفسه شيئًا، ولا يستطيع أن يحمي أجواءه من طيران دولة تصنفها الرياض نفسها تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي.

لقد ظلت الشرعية الهاربة، الهائمة في أروقة الفنادق الفاخرة بين الرياض والقاهرة وتركيا، تردد على مسامع العالم أجمع أنها لن تسمح بأي حال من الأحوال بتسيير رحلات جوية مباشرة بين طهران وصنعاء، وأنها تملك من السيادة الوطنية والقوة القانونية ما يمكنها من ردع أي مغامرة من هذا القبيل، وأن أي محاولة لاختراق الأجواء اليمنية ستكون بمثابة تهديد صارخ لمركزها القانوني المعترف به دوليًا، غير أن الأيام والوقائع الميدانية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الشرعية لا تملك من أمرها شيئًا، وأن سيادتها المزعومة لم تكن يومًا أكثر من حبر على ورق في بيانات لا تتجاوز أسوار القصور التي تحتضن اجتماعاتها المغلقة، وأن مركزها القانوني الذي تتكئ عليه كل استحقاقاتها الدولية أصبح مجرد شعار أجوف يتردد كالصدى في وديان السياسة الخاوية من المعنى والمضمون.

وفي المقابل، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الخيوط في نسيج معقد من التناقضات، قامت الشرعية الهاربة ذاتها، التي لم تحرك ساكنًا إزاء اختراق الطيران الإيراني لأجواء أرض تدّعي حرمة انتهاك سيادتها، بتوجيه سهام الاتهام والوعيد نحو المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، حين قررت قواته التحرك في المحافظات الجنوبية الشرقية بدافع حماية ما تبقى من كيان الدولة المتهالك، بعد أن تحولت حضرموت والمهرة إلى ساحة مفتوحة لتهريب السلاح والمخدرات، ومرتعًا خصبًا لتشجيع المتمردين على السلطة المحلية، وحاضنة آمنة لانتشار الخلايا الإرهابية التي تنخر في جسد الدولة المنهكة، وكأن الشرعية الهاربة ترى في المجلس الانتقالي وقواته تهديدًا وجوديًا أكبر من المليشيات الحوثية المدعومة من إيران، وكأنها تمعن في تدمير كل ما يمكن أن يكون ركيزة لاستعادة الدولة المفقودة.

والحقيقة المرة التي تقض مضاجع المنصفين أن دخول قوات المجلس الانتقالي إلى تلك المناطق جاء بتوافق أربعة من أعضاء المجلس الرئاسي نفسه، في خطوة كانت تهدف إلى حماية الشرعية ذاتها من الانهيار الكامل، وإعادة بسط هيبة الدولة في مناطق أصبحت مرتعًا للفوضى والعبث الإقليمي والدولي، غير أن المملكة العربية السعودية، التي تقود التحالف الداعم لتلك الشرعية المنهكة، عدّت هذا التحرك تهديدًا صارخًا لأمنها القومي، وتهديدًا مباشرًا للمركز القانوني للشرعية الهاربة، بل وحمّلت دولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولية هذا التحرك، متجاهلة أن الإمارات كانت صاحبة اليد الطولى في تحرير المحافظات الجنوبية من براثن الإرهاب، وفي استتباب الأمن وإرساء دعائم الاستقرار في تلك المحافظات التي كانت يومًا مرتعًا للفوضى والدمار.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى التي تكشف عن ازدواجية مذهلة في سردية مفهوم الأمن القومي السعودي وحرصه المعلن على الحفاظ على المركز القانوني للشرعية المعترف بها دوليًا، فعندما يتعلق الأمر بالتهديد القادم من الشمال، والمتمثل في المليشيات الحوثية المدعومة من إيران، نجد تلك السردية تتحول فجأة إلى خطاب متساهل يبحث عن هدنة ووقف لإطلاق النار وخفض للتصعيد مع قوى تعتبرها الرياض نفسها خطرًا داهمًا على أمنها الوطني، وعندما يتعلق الأمر بالجنوب، حيث المجلس الانتقالي وقواته الباسلة التي قاتلت الإرهاب وقدمت الشهداء تلو الشهداء، تنقلب السردية ذاتها رأسًا على عقب لتصف التحرك المشروع لاستعادة هيبة الدولة بأنه تهديد للأمن القومي السعودي وطعن في خاصرة الشرعية المنهكة.

لقد آن الأوان، لأن تقدم المملكة العربية السعودية وشرعية المنفى اعتذارها الصريح والواضح لدولة الإمارات العربية المتحدة، تلك الدولة الشقيقة التي وقفت صفًا واحدًا في خندق العاصفة لإعادة الشرعية وحماية الأمن القومي العربي، والتي كانت رأس حربة في تحرير المحافظات الجنوبية وأجزاء كبيرة من محافظات الشمال اليمني من الإرهاب والفوضى، وآن الأوان أيضًا لاعتذار مماثل يُقدم لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقواته الباسلة وشهدائه الأبرار، الذين أُقصوا من المشهد السياسي واستُهدفوا في سمعتهم ونضالهم الوطني بسبب مزاعم سردية باتت اليوم تنتهجها المليشيات الحوثية علنًا ودون أي وازع أو خوف، في الوقت الذي لم نعد نسمع فيه أصداء تلك السردية نفسها التي طُبقت بحذافيرها على الإمارات وقيادات المجلس الانتقالي وقواته حين رفعوا راية الحق في وجه الإرهاب والفوضى.

إن التاريخ السياسي لا يرحم من يمارس لعبة المعايير المزدوجة في قضايا السيادة والأمن القومي، وإن الأيام وحدها كفيلة بكشف زيف السرديات التي تتغنى بالشرعية والحفاظ على سيادة الدولة، وهي في الوقت ذاته لا تملك جوابًا واحدًا عن سؤال جوهري واحد: كيف يمكن لشرعية أن تدّعي السيادة على أرض لا تسيطر عليها ولا تحمي أجواءها ولا تردع منتهكي حرماتها، ثم تنقلب على حلفائها وأبنائها الذين أوجدوا لها أرضًا تستمد منها شرعيتها وحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا دولة تنهشها أيادي العابثين والمتربصين من كل حدب وصوب؟

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى