من عبور الفاتحين… إلى هروب اللاجئين

✍️ أ.د مهدي دبان
ثمة مشاهد لا يغير الزمن طريقة حصولها بقدر ما يغير دوافعها… فالعبور ظل حاضرا في صفحات التاريخ، لكن الفارق كان دائما في الغاية والرسالة. كان يوما عبورا يصنع المجد، ويحمل نور الإيمان، ويكتب للأمم صفحاتٍ من العزة والكرامة، ثم تحول في زماننا إلى هروب مثقل بالخوف وضنك العيش، تحركه قوارب النجاة أكثر مما تحركه رايات النصر…وبين هذين المشهدين تقف قصة الإنسان؛ عندما يصنعه العدل قائدا فاتحا، وحين يصنعه الظلم لاجئا يبحث عن وطن يحتضن كرامته.
كان العبور في الأزمنة الغابرة حدثا خالدا لا يشبه سواه، عبور يسكن في ذاكرة الأمة قبل أن يسكن صفحات التاريخ. عبر الآلاف، ولكنهم لم يعبروا هربا من خوف، ولا بحثًا عن لقمة أو مأوى، بل عبروا بروح وثابة، مؤمنة، واعية بما تفعل، مدركة أنها تمضي إلى إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. كان ذلك العبور الذي غير مجرى التاريخ، وأرسى قواعد المجد، ونشر نور الدين والتوحيد في بلاد كانت ترزح تحت ظلمات الجهل والفساد. كان الإنسان يومها يحمل وطنه في قلبه، ويحمل رسالته فوق كتفيه، وأن التضحية هي الطريق إلى صناعة الحضارات… وما بين أولئك الذين عبروا ليمنحوا الحياة معنى، وبين حاضرنا الذي نشهده اليوم، تقف مفارقة موجعة تختصر حجم الانحدار الذي أصاب واقع الإنسان العربي المسلم…
دارت الأيام، فإذا بالعبور نفسه يتكرر، ولكن بروح مختلفة تماما؛ عبور لا تصنعه البطولات، بل تفرضه المآسي. يهرب الناس بحثا عن ملجأ، وعن كسرة خبز، وعن كرامة تصان … لا تحدثني أن الأمر مُدبر، فقد يكون كذلك، ولكن يبقى الظلم هو السبب الأول، وهو الشرارة التي أشعلت الفتيل… فالإنسان لا يترك أرضه التي يحبها إلا حين تضيق به الحياة، ويغادر وطنه حين يفقد فيه كرامته وكيانه ونفسه. وعندما يتحول الهروب إلى مشهد جماعي، ويعبر الآلاف الحدود والبحار، فاعلم أن هناك ظلما يدفعهم، وفسادا يطاردهم، وامتهانا لإنسانيتهم، وأكل لأموال الناس بالباطل… ولهذا جاء التحذير الإلهي حاسمًا في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه عز وجل: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا؛ فلا تظالموا». فما من أمة سقطت إلا حين استهانت بالعدل، ولا من وطن نزف أبناءه إلا حين صار الظلم فيه قانونا غير مكتوب. وبين عبور الفاتحين وهروب اللاجئين، لا يكمن الفرق في البحر ولا في الطريق، بل في العدالة التي تحفظ الإنسان في وطنه… فإذا حضر العدل استقرت الأوطان، وإذا غاب، لم يبق للناس سوى طريق الرحيل ..








