لهذا.. نحن لسنا يمنيين، بل جنوبيين عرب

كتب : د. أمين العلياني
لقد سُئلنا دهرًا أن نختزل كينونتنا في لفظةٍ واحدة، أن نذيب خصوصية تاريخنا في عمومية جغرافية، أن نُقحَم في نسبٍ لم نختره ولم ننتمِ إليه يومًا إلا بقهر السياسة وسطوة الإكراه. سُئلنا أن نكون يمنيين، فآثرنا الصمت ردحًا من الزمان، وما كان صمتُنا جحودًا بأحد، ولا ترفُّعًا على أحد، ولا استنكافًا عن الانتساب إلى أرضٍ بعينها، بل كان إجلالًا للحقيقة التي تسري في عروقنا مسرى الدم، وتنبض في قلوبنا نبض اليقين، وتتغلغل في أعماقنا تغلغل الضوء في سويداء الروح. إننا لا نقوى على أن نتزيّا بثوبٍ لم يُفصَّل يومًا على قامة تاريخنا، ولا أن نأوي إلى دارٍ لم تَعُد تُذكر في المحافل والمنابر إلا بالمأساة التي عشنا بسببها كل هذا الدمار، وتلك المعاناة المثقلة بالألم، والويلات المتكاثرة التي تناسلت منها الحروب والمجاعات والتشريد والتهجير والاقتتال على الهوية والوجود.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم، بإلحاحٍ لا يهدأ ولا يستكين، هو: لماذا لسنا يمنيين، بل جنوبيين عربًا؟ والجواب الذي ندلي به، في وضوحٍ لا مواربة فيه ولا التباس، هو أن ما بين اللفظين ليس تباينًا عابرًا في مخارج الحروف وأصداء الكلمات، وليس اختلافًا في الرسم الإملائي أو النطق الصوتي، بل هو البون الشاسع الذي يتعذر ردمه بين منطق الدولة ومنطق القبيلة، بين سلطان القانون الذي يعلو على الجميع وسلطة العصبية التي تستعلي على الجميع، بين سلطة المؤسسات التي تُدير الشأن العام بآليات مدنية محايدة وسطوة السلاح الذي يُدير الشأن العام بمنطق الغلبة والقهر، بين من يزرع للمستقبل ويحرث في أرض الغد راجيًا حصادًا وافرًا، ومن يقتات على رماد الماضي ويجتر أمجادًا آفلة لا تملك من الحقيقة إلا بقايا ذكريات متهافتة.
إن اليمن الذي لقَّنونا إياه في ذروة التوهج القومي العاطفي، وفي غمرة المد الأيديولوجي الذي اجتاح المنطقة العربية في خمسينات القرن الماضي وستيناته، لم يكن يومًا إلا اسمًا لجغرافيا مترامية الأطراف تمتد من باب المندب جنوبًا إلى ذُرى صعدة شمالًا، وهذا الجمع التعسفي ما كان إلا شططًا جغرافيًّا جهويًّا، مثله في ذلك مثل ما يُقال عن الشام كاسم لرقعةٍ تتسع من فيافي سيناء غربًا إلى سفوح جبال الأناضول شرقًا، فتجمع في لفظٍ واحدٍ ما لا يمكن جمعُه في حقيقةٍ سياسية واحدة متماسكة. ولكن هل صار الشامي لبنانيًّا لأن الجغرافيا جمعتهما في رقعةٍ واحدة؟ وهل ذاب الأردني في الفلسطيني؛ لأن الخارطة ضمّتهما في إقليمٍ واحد؟ وهل ألغت وحدةُ الأرض تنوعَ الهويات وتعدُّدَ الانتماءات وتباينَ المشاريع الوطنية؟ إن الجغرافيا وحدها، مهما بلغت من رسوخٍ وثبات، لا تنشئ الدول ولا تجسّد الهوية الثقافية والوطنية، ولا تصوغ الوعي الجمعي الذي تتشكل منه الأمم؛ فالدولة تنشئها العهود التي تُخط بالمداد في سجلات التاريخ، والدماء التي تُبذل على مذبحها سخيةً طيبة، والذاكرة المؤسسية التي تتوارثها الأجيال كابرًا عن كابر، جيلًا بعد جيل، حتى تصير جزءًا من نسيج الوجود وطبيعة الأشياء.
ولقد كان الجنوب العربي، قبل أن تبتلعه دوامة الوحدة المشؤومة، دولةً قائمةً بذاتها، مكتملة الأركان، واضحة المعالم، ثابتة الدعائم: علمٌ يرفرف على سارية المجد خفاقًا في عنان السماء، ودستور ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساسٍ من الحقوق والواجبات، وجيش نظامي عقيدته حماية الحدود وصون السيادة لا جباية الأرض وابتزاز العباد، وقضاء مدني يقف أمامه الشريف والوضيع على قدم المساواة، لا يحابي ذا جاهٍ ولا يجور على ذي حاجة. ولهذا كانت لنا بعثات دبلوماسية تنطق باسم جنوبنا في عواصم العالم، ومقعد في هيئة الأمم المتحدة نُسمع منه صوتنا بين الأمم، وتعليم مجاني فتح أبواب الجامعات لأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا قبل آبائنا وإخواننا وأبنائنا، في سابقةٍ لم تعرفها كثير من دول المنطقة إلا بعد عقودٍ لاحقة. والجنوب بمحافظاته الست لم تكن تُساس من مركزٍ بعيد لا يعرف طبائعها ولا يفهم خصوصياتها، بل كانت كل محافظة قاعدةً من قواعد وطنٍ شامخ، وكل مدينة ركنًا من أركان دولةٍ راسخة، وكل قرية لبنةً من لبنات صرحٍ مكين.
وحين ولجنا القدرَ القومي في وحدة عام 1990م، لم ندخلها كما يدخل الفرعُ إلى أصله، ولا كما يعود الضال إلى طريق الهداية، بل دخلناها كدولتين تعاقدتا على شراكة ندّية متكافئة، وتحالفتا على مشروعٍ وطني مشترك، وتعاهدتا على أن تبنيَا معًا ما لم تستطع كل واحدةٍ منهما أن تبنيه منفردة. فلما نُكث العهد، وانتُهكت المواثيق، واجتيحت الشراكة في صيف عام 1994م اجتياحًا عسكريًّا كاسحًا، تهاوت الشرعية الأخلاقية والقانونية للوحدة معًا، وانهار السند الذي قامت عليه، وتبدد الوهم الذي تغذى عليه المؤمنون بها. وما قام على باطل، فهو باطل وإن تقادم عليه الزمن، وما تأسس على غدر، فهو هشّ وإن طال به الأمد، وما انبنى على قهر، فهو زائل وإن بدا للناظرين راسخًا ثابتًا.
ولهذا، فإننا حين نقول بملء الفم والوجدان: أنا جنوبي عربي، لا نزعم بهذا القول أننا أطهر دمًا من أخٍ لنا في صنعاء، ولا أننا أزكى نسبًا من قريبٍ لنا في تعز، ومعاذ الله أن نقع في شرك العصبية الجاهلية أو فخ النرجسية القبلية. بل إن قولنا: أنني جنوبي عربي، يعني في جوهره ومعناه العميق أننا مختلفون عنهم في تصورنا لمعنى الدولة ومعنى الحياة، مختلفون في رؤيتنا للإنسان ومكانته في هذا الوجود، مختلفون في فهمنا للعلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المواطن والسلطة، وبين الدين والدولة. إن مشروعنا التاريخي الذي ورثناه عن الذين مضوا من آبائنا المؤسسين هو أن تعلوَ كلمةُ المحكمة على كلمة الشيخ، وأن يُشاد صرحُ المدرسة قبل أن يُحفر خندق المترس، وأن تُرى المرأة في معملها ومصنعها ومختبرها لا في عزلتها وقوقعة انزواءها فحسب، وأن يُضاء مسرح السينما وأروقة الفنون قبل أن تُنصب سرادق العزاء ومنصات الرثاء.
لقد بزغ فجر هذا المشروع الحضاري التنويري من عدن في ستينات القرن الماضي، يوم كانت أخواتنا وبناتنا يُبتعثن إلى موسكو والقاهرة وبراغ لدراسة الطب والهندسة والعلوم، ويوم كان “تلفزيون عدن” يبث ضياءه وينشر إشعاعه قبل أن تعرف مدن عربية كثيرة سر الكهرباء، ويوم كانت المطابع في معلا والتواهي تطبع دواوين الشعر وكتب الفكر قبل أن تعرف عواصم مجاورة طريقها إلى صناعة الكتاب. وهذا الذي نقوله ليس نواحًا على طلل مضى وانقضى، وليس بكاءً على أطلالٍ بالية عفا عليها الزمان، بل هو برهان مادي صارخ، ودليل تاريخي دامغ، على أن مفردة “الجنوبية” تعني في معجمنا السياسي والحضاري: الدولة المدنية الحديثة، دولة النظام والقانون والمؤسسات، دولة المواطنة المتساوية والحقوق المصونة، دولة العلم والعمل والإنتاج.
واليوم، ونحن نرى المملكة العربية السعودية تعيد تشكيل ذاتها وتصوغ مستقبلها برؤية 2030 الطموحة، ودولة الإمارات العربية المتحدة تشيد صروح نهضتها وتخطط لمئويتها 2071 الواعدة، ندرك بيقينٍ لا يخالطه شك، ونتيقن ببصيرةٍ لا تعتريها غشاوة، أننا أقرب روحًا وفكرًا ومآلًا إلى منظومة الخليج العربي منا إلى صنعاء التي ابتلعت أرضنا وثرواتنا، وقتلت ما يقارب نصف المليون من أبنائنا بين شهيد سقط في ميادين الوغى، ومنتحر أضنته وطأة اليأس، ومشرد طردته يد القهر من داره، ومنهوب سُلبت خيرات كده، ومظلوم أُزهقت روحه بلا ذنب اقترفه ولا جرم اجترحه.
نحن لسنا عبئًا ثقيلًا يُطلب الخلاص منه بأي ثمن، ولسنا مشكلةً مستعصية يُراد تصديرها إلى خارج الحدود، بل نحن الامتداد الطبيعي لمشروع الاعتدال والتنمية والاستقرار العربي الذي تقوده دول مجلس التعاون الخليجي في المنطقة، نحن الحلقة المفقودة في سلسلة الأمن القومي العربي التي إذا اكتملت حصّنت الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية، وإذا بقيت مبتورةً ظلت الجراح مفتوحة تنزف ولا تلتئم. فلنتحدث بوضوحٍ لا مواربة فيه، ولنقل الكلمة الفصل التي طالما تهيّبنا النطق بها وأجلنا البوح بمكنونها: إن كل كيان سياسي يحمل اسم اليمن في هذا الزمان المضطرب، هو مشروع قابل للابتلاع من قبل التمدد الإيراني الزاحف، عاجلًا كان هذا الابتلاع أم آجلًا، قريبًا كان أم بعيدًا. إن الحوثي لا يبسط سلطانه على صنعاء وكل المحافظات اليمنية بقوة النار والحديد وحدها، بل بسلطان فكرة المركز المقدس والحق الإلهي المزعوم في الحكم، وهذه الفكرة إذا ما ترسخت وتجذرت في العقول، صارت أشد خطرًا وأبقى أثرًا من جحافل الجيوش وأرتال المدرعات.
ومن هنا، فإن فك ارتباطنا بمشروع اليمننة الذي فُرض علينا فرضًا ليس انفصالًا عن جسدٍ واحد متماسك كما يزعمون، وليس تمزيقًا لأمةٍ واحدة موحدة كما يدّعون، بل هو تطعيم ناجع ضد طاعون الفوضى والطائفية والتبعية، ودرع واقٍ من مشروع تصدير الحروب الذي اتخذ من أرضنا ميدانًا ومن شبابنا وقودًا ومن ثرواتنا غنيمة. إن الجنوب العربي درع لأمننا الوطني السيادي، وردء لأمن أشقائنا في الخليج العربي، وحصن منيع لمصالح العرب الاستراتيجية على أهم الممرات المائية في العالم. إن الجنوب القوي، المدني، المستقر، هو الحليف الاستراتيجي الذي تحتاجه دول الخليج العربي وكل العرب على ثغر باب المندب الحيوي، في زمنٍ باتت فيه التحالفات الدولية متقلبة والمخاطر الإقليمية متصاعدة. أما الجنوب الضعيف، التابع، الممزق بين الميليشيات والجماعات، فهو الخاصرة الرخوة التي ستظل تنزف وتستنزف، وتهدد أمن الملاحة والتجارة والعالم أجمع. إن أمن الخليج يبتدئ من استقرار عدن وأخواتها من حواضر الجنوب العربي، وتلك حقيقة جيوسياسية راسخة لا تزعزعها العواطف الهوجاء، ولا تنال منها الشعارات الجوفاء، ولا تغيرها التمنيات العابرة والرغائب الآفلة.
لقد سئم شعبنا الجنوبي العربي، سئم سأمًا بلغ أعماق الروح وتغلغل في سويداء الوجدان. سئم أن تُراق دماء شبابه ورجاله في حروب تدار بالوكالة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا ذنب اقترفوه ولا جرم اجترحوه. سئم شعبنا أن يبقى مصيره معلقًا بعاصمة لا تملك من أمرها إلا شارعين، ولا تستطيع أن تحمي سفارة ولا تؤمن مبنى، ولا تقدر على بسط سلطانها على أحيائها فضلًا عن مدنها وأقاليمها. سئم هذا الشعب الجنوبي العظيم أن يكون هويةُ دولته ووجودُه السياسي ورقةً مؤجلة على طاولة الآخرين، تُقلب بين أيدي المتربصين، ويُساوم عليها في دهاليز المفاوضات وغرف المقايضات. فشعب الجنوب العربي يريد هوية يستميت من أجلها في قاعات الجامعة، وعلى أرصفة الميناء، وفي مصانع الإنتاج ومعامل الابتكار، لا في خنادق الجبال الموحشة ومضارب القتال الدامية. يريد لعدن أن تستعيد مجدها الذي كانت عليه، سنغافورة العرب ومرفأ النور والتجارة ومنارة الثقافة والفنون، لا أن تبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وميدانًا لصراع المتنفذين والمتآمرين. يريد الجنوب أن يطل على العالم من جديد، شامخًا مرفوع الهامة، ويقول بكبرياء الواثق وصوت المطمئن: نحن أبناء الدولة الجنوبية العربية التي سبقت عصرها في تحرير القضاء وتمكين المرأة، وسنسبق عصرنا مرة أخرى في بناء الاقتصاد الرقمي والموانئ الذكية والمدن المستدامة.
من أجل هذا كله، ومن أجل ما هو أكثر من هذا وأعمق وأبقى، فإن الجنوبي ليس يمنيًّا، بل جنوبي عربي. وهذه ليست تهمة يلتمس لها براءة، وليست وصمة يطلب لها محوًا، بل هي هوية يشهرها في وجه العالم بأسره، وحقيقة يؤسس عليها مستقبل أبنائه وبناته وأجياله القادمة، وقطعًا للحروب المتطاولة ومشاريع الإرهاب الممول بفكرتي الولاية والخلافة. فماذا يُطلب من الجنوبي اليوم، في هذا المنعطف التاريخي الحاسم؟ لا يُطلب منه أن يحمل البندقية، ولا أن يهتف في الساحات والميادين حتى يحترق نضاله ويتحول إلى رماد، بل يُطلب من نفسه ما هو أخطر من الرصاص وأمضى من السيوف وأبقى أثرًا من كل سلاح: أن يخلوَ إلى ذاته في لحظة صدقٍ نادرة، ويسألها بصراحةٍ لا يخالطها رياء، وجرأةٍ لا تشوبها مواربة: هل تعريف هوية نظام دولتنا الذي ورثناه قسرًا عن تاريخ طويل من القهر والإملاء، يخدمنا اليوم ويمهد طريقنا إلى المستقبل، أم أنه الحبل الذي يخنقنا ببطء، ويمتص أنفاسنا على مهل، وصار وبالًا علينا وعلى أمننا وأمن المنطقة العربية ومصالحها بأكملها؟
ومن هنا، فإن تعريف الهوية للجنوب بكونه عربيًّا ليس انفصالًا ولا استقلالًا فحسب، كما يختزله السطحيون والمبسطون من خصومنا، بل هو استعادة لهوية الدولة الجنوبية العربية كنظام أمني قومي مدني متكامل، يحمي المصالح السيادية العربية ويصونها، ويكون ضامنًا قويًّا لمشاريع الخليج العربي ومصالحه الحيوية ومصالح العرب كلهم، على أهم المنافذ والموانئ والسواحل الحساسة في المنطقة، بعيدًا عن يمنية الأرض بالأيديولوجيات المفخخة والمشاريع التوسعية العابرة للحدود. إنه استئناف لتاريخٍ توقف قسرًا، وإحياء لمشروعٍ أُجهض عنوة، وإعادة بناء لصرحٍ هُدم ظلمًا، وعهد جديد نقطعه على أنفسنا أن نوفيه ونصونه ونمضي به إلى غايته، مهما بلغت التضحيات وعظمت التحديات وجلّت المخاطر، لأن ما نبنيه اليوم سيرثه أبناؤنا غدًا، وما نزرعه الآن سيحصده أحفادنا بعدنا، وتلك هي رسالتنا التي نحملها، وتلك هي أمانتنا التي نؤديها، وتلك هي غايتنا التي نسعى إليها.



