من يرفض الظلم على نفسه… فلا يحق له أن يمارسه على غيره

كتب/ الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب

هل يعقل أن تأتي دولة أقوى وأغنى، وتفرض رؤيتها على شعبٍ يطالب بحقه في تقرير مصيره؟

وهل من المنطقي أن ترفض الوصاية عندما تمارس على طرف، ثم تُمارس الوصاية نفسها على طرف آخر؟

هذه ليست دعوة إلى العداء مع المملكة العربية السعودية، ولا هي موقف ضد الشعب السعودي الشقيق.

بل هي رسالة واضحة:
نحن نرفض العدوان والظلم، أياً كان مصدره.

خلال السنوات الماضية، كان التحالف العربي طرفاً رئيسياً في الحرب اليمنية منذ عام 2015م، لكن السنوات الأخيرة كشفت أيضاً عن خلافات عميقة بين القوى المناهضة للحوثيين، خصوصاً بين السعودية والإمارات والقوى الجنوبية.
وفي أواخر 2025م وبداية 2026م، تصاعدت المواجهة حول حضرموت والمهرة، ووثقت تقارير دولية غارات سعودية استهدفت مواقع مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

كيف يمكن أن نطالب المملكة العربية السعودية الآخرين باحترام سيادتها وكرامتها، ثم هي لا نحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها؟

إذا كان الخلاف سياسياً، فليكن الحوار هو الطريق. وإذا كانت هناك أزمة، فليكن التفاوض هو الحل.
أما تحويل الخلاف السياسي إلى صراع عسكري بين أطراف كانت تقاتل عدواً واحداً، فهو لا يؤدي إلا إلى إضعاف الجميع.

والأخطر من ذلك أن الانقسامات داخل القوى المناهضة للحوثيين جاءت في وقت تتصاعد فيه قدرات الحوثيين وهجماتهم، بينما تظهر التطورات الأخيرة مدى هشاشة الجبهة المناهضة لهم.

رسالتي إلى القيادة السعودية:

نحن لا نريد خصومة مع المملكة، ولا نريد للشعب السعودي أن يتعرض للخطر. بل على العكس، أمن السعودية واستقرارها مصلحة لكل شعوب المنطقة.

لكن الإنسان حين يشعر بأن كرامته تنتهك، فمن الطبيعي أن يرفع صوته.

والاعتذار ليس ضعفاً؛ الاعتذار من شيم الرجال، والاعتراف بالخطأ لا ينقص من قدر أحد.

أما أن تدار الخلافات على حساب شعبٍ يبحث عن الكهرباء والتعليم والاستقرار والإنتاج والحياة الكريمة، فذلك أمر يستحق المراجعة.

لقد أنهكت الحرب اليمنيين لأكثر من عقد، وأثبتت التجربة أن إضعاف الطرف الجنوبي لصالح طرف آخر لا يؤدي بالضرورة إلى السلام، بل قد يفتح أبواباً جديدة للصراع.

والرسالة التي يجب أن تصل إلى كل عربي وكل خليجي هي:

نحن نرفض الظلم، مهما كان فاعله.

لا نريد الانتقام من أحد، ولا نتشفى بأحد… وإذا تعرضت السعودية لهجمات الحوثيين، فنحن لا نفرح بسقوط الضحايا أو تضرر المدن والمنشآت.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن مطالبتنا نحن الجنوبيين بالتضامن مع المملكة العربية السعودية عندما تتعرض للعدوان، بينما نشعر بأن بعض سياساتها أو ممارسات حكامها تجاه قضيتنا الجنوبية تنطوي على ظلم أو تدخل يمس حقوقنا وتطلعاتنا السياسية.

القوة العسكرية والنفوذ السياسي لا يمنحان المملكة العربية السعودية أو غيرها حق الوصاية على إرادة الشعوب أو فرض خياراتهاذ عليها.
نحترم الشعب السعودي ونرفض العدوان عليه، لكننا في المقابل نرفض أي تدخل يمس قضيتنا الجنوبية وحقوقنا وتطلعاتنا.
القوة لا تلغي إرادة الشعوب، والنفوذ لا يصنع حقًا في الوصاية، وإرادة الشعب ليست ورقة للمساومة.

والطائرات والأسلحة تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاماً دائماً.

ومن يزرع الانقسام بين أبناء الأرض الواحدة، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يجد الانقسام يعود إليه من جديد.

لهذا، فإن الحل ليس في تغذية فصيل ضد فصيل، ولا في تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات، وإنما في احترام إرادة أبناء الجنوب، وفتح حوار جاد حول مستقبل القضية الجنوبية، بعيداً عن الإملاءات والقوة.

فالسياسة التي تقوم على الاحترام المتبادل تبني جسوراً، أما سياسة فرض الأمر الواقع فتترك جروحاً يصعب علاجها.

لسنا دعاة حرب، لكننا أيضاً لسنا دعاة صمت أمام الظلم.

نريد أستعادة دولتنا الجنوبية وحياة كريمة وأمناً واستقراراً، ونريد أن يكون القرار في مستقبل الشعوب نابعاً من إرادتها، لا من قوة السلاح أو ثقل المال أو نفوذ الدول.

ومن يرفض أن يُظلم، عليه أولاً أن يرفض الظلم عندما يقع على غيره.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يسمعها الجميع.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى