عشر دقائق في وزارة المالية رحلة أكاديمية إلى زمن الانتظار

 

كتب  ـ  منصور العامري

يبدو أن عشر دقائق في بعض المؤسسات الحكومية ليست عشر دقائق كما نعرفها نحن البشر بل وحدة زمنية خاصة تحتاج إلى قاموس إداري لفهمها
خمسة من حملة الألقاب العلمية يدخلون وزارة المالية يحملون معهم ملفاتهم وشهاداتهم وقضية آلاف الأكاديميين ويطلبون شيئا بسيطا جدا عشر دقائق فقط مع وزير المالية
عشر دقائق لا أكثر
لا يريدون عقد اجتماع دولي ولا مناقشة موازنة دولة ولا طلب وظيفة ولا حتى كوب قهوة على حساب الوزارة
يريدون فقط أن يقولوا للوزير هناك حقوق مالية وأكاديمية معلقة وهناك أساتذة وأساتذة مشاركون ينتظرون إنصافهم
لكن يبدو أن الطريق إلى عشر دقائق أطول من الطريق إلى بعض المعاملات الحكومية
قيل لهم انتظروا
فانتظروا
ثم قيل انتظروا قليلا
فانتظروا أكثر
ثم دخل المسؤول المعني إلى مكتب الوزير وبقي الأكاديميون ينتظرون خارج الباب وكأنهم أمام امتحان شفهي لا يعرفون متى سيأتي دورهم
وبعد قرابة ساعة حدثت المعجزة الإدارية الكبرى
خرجت الحقيقة متأخرة وغادر الوزير
يا لها من طريقة مبتكرة لإدارة الوقت
كان يمكن ببساطة أن يقال لهم منذ البداية الوزير غير متاح اليوم
جملة قصيرة واضحة محترمة وتوفر على خمسة من كبار ممثلي الجامعات ساعة كاملة من الانتظار
لكن يبدو أن الوضوح أحيانا يحتاج إلى موافقة وربما يحتاج إلى توقيع وختم وتصريح مرور
المشكلة ليست في أن الوزير لم يلتق بهم فالمسؤول قد يكون مشغولا وقد يكون لديه اجتماع وقد تطرأ عليه التزامات كثيرة
المشكلة في أن الأكاديمي حين يقف أمام مؤسسة الدولة يجب ألا يشعر أنه أصبح متسولا على بابها
هؤلاء ليسوا خمسة أشخاص يبحثون عن واسطة شخصية
إنهم ممثلون عن جامعات وكليات ونقابات ويحملون قضية تتعلق بالتسويات والتعزيزات المالية المرتبطة بالترقيات العلمية
ومن حقهم أن يسمعوا جوابا واضحا حتى لو كان الجواب لا نستطيع
فالرفض الصريح أكثر احتراما من وعد جميل ينتهي بمغادرة المسؤول قبل أن يصل أصحاب القضية إلى موعدهم
والسخرية هنا ليست من الأكاديميين بل من ذلك المشهد البيروقراطي الذي يجعل صاحب الحق ينتظر بينما الوقت وحده يعرف أين ذهب
لقد أصبح الانتظار في بعض المؤسسات الحكومية تخصصا إداريا قائما بذاته
قد يدخل المواطن الساعة العاشرة فيخرج بعد الظهر وقد حصل على خبرة جديدة في الصبر وشهادة غير مكتوبة في إدارة الانتظار وربما ترقية معنوية من مراجع إلى مراجع دائم
أما الأكاديمي فله نصيب خاص من هذه التجربة لأنه يدخل الوزارة بلقب أستاذ ثم قد يجد نفسه واقفا أمام باب الوزير يسأل هل بقيت عشر دقائق من ذلك اليوم
أيها السادة
احترام الأكاديمي لا يحتاج إلى ميزانية إضافية
والتعامل بشفافية لا يحتاج إلى تعزيز مالي
وإخبار الناس بالحقيقة لا يحتاج إلى توجيه رئاسي
إذا كان الوزير مشغولا قولوا مشغول
إذا كان اللقاء غير ممكن قولوا غير ممكن
إذا كان الملف يحتاج إلى دراسة قولوا يحتاج إلى دراسة
أما أن يظل أصحاب القضية ينتظرون وعدا ثم يكتشفون أن الوعد غادر المبنى قبلهم فهذه هي المشكلة التي تستحق أن تتوقف عندها وزارة المالية طويلا
حملة الألقاب العلمية لا يطلبون معاملة خاصة
إنهم يطلبون أن تعامل قضيتهم بما تستحقه من احترام وأن تنفذ الحقوق وفق القوانين والقرارات والتوجيهات النافذة
فالأستاذ الذي قضى سنوات في التعليم والبحث العلمي لا ينبغي أن تكون مكافأته ساعة انتظار أمام باب مغلق
والأستاذ المشارك الذي حمل العلم إلى أجيال الطلاب يستحق جوابا واضحا لا رحلة طويلة في متاهة انتظرونا وسنعود إليكم
وفي النهاية ربما تحتاج وزارة المالية إلى إضافة مادة جديدة إلى مناهج الإدارة العامة
المادة الأولى كيف تقول الحقيقة في ثلاثين ثانية بدل أن تجعل خمسة أكاديميين ينتظرون ستين دقيقة
أما حملة الألقاب العلمية فنقول لهم
واصلوا المطالبة بحقوقكم بالطرق القانونية والمؤسسية والسلمية فالقضية التي تحملونها ليست قضية خمسة أشخاص وإنما قضية احترام للجامعة وللعلم ولمن أفنى عمره في خدمة التعليم
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث بعد هذه الحكاية أن تصبح عشر دقائق فعلا عشر دقائق
لا رحلة أكاديمية كاملة في علم الانتظار

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى