هلّا بدأتم التعبئة بهؤلاء الهاربين من الجبهات؟

بقلم: صالح الفضلي

 

في اليوم الذي أعلن فيه رشاد العليمي التعبئة العامة والنفير الوطني، كان السؤال الطبيعي الذي ينبغي أن يطرح في سيئون، وفي كل مدن بلادنا والمدن التي يعيش فيها أصحاب الإعاشة ، بسيطاً جداً:

من أين ستبدأ التعبئة؟ هل ستبدأ من الجبهات؟ أم من مكاتب اللجان؟ أم من قاعات الاجتماعات؟

أم من المسيرات والاحتفالات ورفع الأعلام في سيؤن المحتلة؟

فالعليمي دعا الناس إلى الالتحاق بالقوات المسلحة والأمن والإسهام في الدفاع عن الجمهورية، وفتح في الوقت نفسه باب العودة إلى صف الجمهورية لمن وصفهم بـ(المغرر بهم).

وهنا، تحديداً، يحق لأهل سيئون أن يسألوا: هلا بدأتم التعبئة بهؤلاء الذين يعيشون بيننا منذ سنوات، وبعضهم في سن القتال، بدلاً من البحث عن متطوعين جدد؟

فإذا كانت الدولة تتحدث عن حرب وتعبئة عامة، فمن المنطقي أن تبدأ أولاً بحصر القوى البشرية الموجودة فعلاً على الأرض: من هم؟ أين يقيمون؟ ما أعمارهم؟ ما وضعهم العسكري؟ ومن منهم مطلوب للخدمة؟ ومن منهم سبق أن التحق بجبهة ثم غادرها؟

أما أن يتحول الاحتفال بذكرى 26 سبتمبر إلى مناسبة لترديد الشعارات عن الاستعداد للدفاع عن الوطن، بينما تبقى الجبهات في مكانها، فهنا تصبح المسألة بحاجة إلى تفسير.

لقد شهدت سيئون، التي يرفض سكانها الفعليين وجود كل من هو وما هو شمالي أمس فعالية جماهيرية بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، وتحدثت المصادر الرسمية عن مشاركة واسعة ورفع الأعلام الجمهورية وترديد هتافات تؤكد الاستعداد للدفاع عن الوطن.

ليس من الصعب أن تقول إن الجمهورية في خطر وأنت جالس في مدينة لم تصل إليها الحرب بمعناها المباشر. الصعب هو أن تقول للدولة: أنا جاهز… أرسلوني إلى الجبهة.

وهنا نصل إلى سيئون، هذه المدينة التي أصبحت خلال سنوات الحرب مركزاً لاستقبال أعداد كبيرة من الشماليين القادمين بصفات مختلفة، سواء من النازحين أو العاملين أو العسكريين أو غيرهم.

أن وجود أعداد كبيرة من القادمين من خارج حضرموت يطرح سؤالاً مشروعاً حول منظومة الإقامة والعمل والتجنيد والولاء العسكري والسياسي في وادي حضرموت. فإذا كانت السلطة تقول إن البلاد في حالة تعبئة عامة، فلماذا لا نعرف ببساطة: كم عدد الرجال القادرين على حمل السلاح الموجودين في سيئون؟ كم منهم عسكريون؟ كم منهم سبق أن خدموا في تشكيلات عسكرية؟ كم منهم غادروا الجبهات؟ وكم منهم مستعدون الآن للعودة إليها؟

ولماذا لا تتحول التعبئة العامة إلى سجل وطني واضح للقادرين على المشاركة في الدفاع عن البلاد بدلاً من أن تبقى مجرد خطاب سياسي؟

أما أن تقول الدولة: «الجميع مدعوون إلى التعبئة»، ثم تترك آلاف الأسئلة بلا إجابات، فهذا يجعل المواطن يتساءل إن كانت التعبئة تعني فعلاً الذهاب إلى الجبهة، أم أنها تعني فقط المزيد من المهرجانات واللجان والخطب.

والأغرب أن سيئون، التي أصبحت في السنوات الأخيرة مركزاً سياسياً وعسكرياً مهماً في وادي حضرموت، ما زالت تُعامل وكأن السؤال عن تركيبتها السكانية والعسكرية والسياسية من المحرمات.

لماذا؟ إذا كان الموجودون عسكريين، فليؤدوا واجبهم العسكري. وإذا كان بينهم رجال قادرون على القتال، فليشاركوا في التعبئة التي أعلنها رئيس مجلس القيادة. وإذا كان بينهم من يؤيد الحوثيين أو يرتبط به سياسياً أو عسكرياً، فهذه مسألة أخرى ينبغي أن تتعامل معها الدولة وفق القانون والأدلة، لا وفق التخمينات والتعميمات.

لكن ما لا يمكن أن يستمر هو أن تكون حضرموت مكاناً آمناً للإقامة، بينما يظل عبء الحرب والقتال والدماء موزعاً بصورة غير متكافئة على مناطق أخرى.

يا سيئون، يا مدينة العلم والتاريخ والهدوء… كم مرة يُطلب منك أن تستقبلي؟

تستقبلين النازح، والعامل، والعسكري، والسياسي، واللاجئ من نار الحرب، ثم يأتيك من يقول إن عليك أيضاً أن تستقبلي مشاريع التعبئة واللجان والمجالس والفعاليات.

هلا بدأتم التعبئة بالذين أمامكم أولاً؟ إنها دعوة إلى تطبيق مبدأ واحد على الجميع: من يرفع شعار الدفاع عن الجمهورية فليتحمل تبعاته. ومن يقول إنه مستعد للقتال فليتقدم. ومن يملك القدرة على حمل السلاح فلتعرف الدولة موقعه القانوني. ومن يريد أن يبقى بعيداً عن الحرب فليكن ذلك موقفاً واضحاً، لا أن تتحول الوطنية إلى مهرجان موسمي.

لقد أثبتت سيئون أمس أن لديها القدرة على حشد الآلاف في مناسبة وطنية، بحسب ما أوردته المصادر المحلية والرسمية.

والسؤال الآن ليس: هل تستطيعون الاحتفال؟ لقد احتفلتم. والآن السؤال:

هل تستطيعون الذهاب للجبهات؟

وهل تستطيع الحكومة أن تنتقل من تعبئة الشعارات إلى تعبئة الرجال؟

فإذا كانت الحرب مستمرة، والجبهات تحتاج إلى الرجال، والرئيس يعلن النفير العام، فربما يكون من الحكمة أن تبدأ الحكومة من كشف قوائم القادرين على القتال الموجودين أصلاً في المدن الآمنة، قبل أن تطلب من شاب آخر أن يترك أهله ويدفع ثمن حرب لم يخترها.

أما سيئون وحضرموت، فمسكينتان فعلاً… إذا استمرت السياسات الحالية، فستحولان إلى ساحة صراع على من يملك الأرض، ومن يملك القوة، ومن يملك قرار الحرب، بينما يظل أبناؤهما يتفرجون على كل ذلك من الهامش.

وهنا لا بد من سؤال أخير، وربما هو الأهم:

إذا كانت هذه تعبئة عامة فعلاً… فلماذا لا تبدأون بها من الموجودين أمام أعينكم، قبل أن تبحثوا عن رجال جدد في المحافظات الأخرى؟

مسكينة أنتِ يا سيئون… ومسكينة أنتِ يا حضرموت…

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى