من تفسير المفسر وحشد الساحات إلى ملء الفراغات

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
ما زلنا نحن الجنوبيين منشغلين بالسؤال:
هل هناك خيانة من الشرعية وتخادم مع الحوثي أم لا؟
أظن أن هذا السؤال تجاوزته الوقائع.
وحتى إن كان هناك من يرى أن الشرعية تحارب الحوثي، ولو بنصف الواحد بالمئة فقط، فإن واجبنا لا يتغير: أن نقرأ الواقع ونستعد لما قد يفرضه علينا.
فالجنوب عرف 1994، وعرف 2015، والدرس الأهم من التجربتين أن الجبهة لا تُحمى بالسلاح وحده، ولا بالساحات وحدها، وإنما بمجتمع منظم يعرف ماذا يفعل، وقيادة تعرف كيف تجمع قدراته.
وهنا أقصد بـ «ملء الفراغات» شيئًا محددًا:
إذا كانت المرحلة تحتاج إلى استعداد عسكري وأمني، فماذا أعددنا؟
وإذا كانت تحتاج إلى اقتصاد وخدمات، فأين منظومة رجال الأعمال والاقتصاديين والخدميين؟
وإذا كانت تحتاج إلى إعلام وسياسة ومجتمع، فمن ينقل نبض الحي والقرية والمدينة إلى القيادة، ومن ينقل قرار القيادة إلى الميدان؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا.
وما تضمنه بيان الاجتماع الاستثنائي الموسع للهيئات المركزية والمحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي من تعبئة وحشد لحماية الجنوب ومشروعه، يمكن أن يكون بداية للانتقال من حشد الساحات إلى تنظيم المجتمع.
وهنا لا يكفي أن يكون المجلس قائدًا سياسيًا؛ بل المطلوب أن يكون منظمًا للجبهة الداخلية، من الحي والشارع والقرية إلى المدينة والمحافظة والقيادة العليا.
لكن التنظيم لا يعني الاحتكار.
بل أن يفتح المجلس المجال لكل جنوبي يستطيع أن يضيف: سياسيًا، واقتصاديًا، وخدميًا، وإعلاميًا، واجتماعيًا، وأن يستوعب حتى من اختلف معه أو ابتعد عنه، ما دام مستعدًا للعمل من أجل مصلحة الجنوب.
ليس المطلوب أن يصبح الجميع انتقاليين؛ المطلوب أن يصبحوا شركاء في حماية الجنوب والمجتمع.
وهذا يعيدنا إلى تجربة تستحق أن نتذكرها.
في 7 نوفمبر 2014م، وفي لقاء زُبيد بالضالع بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي اجتمعت اتجاهات جنوبية مختلفة أمام خطر تمدد الحوثيين نحو الجنوب.
وكانت الفكرة أن المواجهة ليست عسكرية فقط، بل سياسية ودينية ومجتمعية، وأن الجبهة الحقيقية تبدأ من توحيد المجتمع حول هدف واضح.
كنت يومها أحد المشاركين في المشورة حول اللقاء، وشهدنا كيف يمكن لفكرة منظمة أن تجمع أطرافًا متعددة في لحظة خطر.
اليوم لا نحتاج إلى استنساخ تجربة زُبيد؛
نحتاج إلى تطوير منطقها.
من الاجتماع إلى منظومة عمل.
من الحشد إلى التنظيم.
ومن انتظار الأزمة إلى الاستعداد لها.
فإذا كانت الشرعية غير موجودة عمليًا في الجنوب بما يكفي لتحمل مسؤوليات المرحلة، فلا ينبغي أن نبني حساباتنا على انتظار ما لن يأتي؛ ولا نحتاج إلى معركة مع «وهم» بقدر حاجتنا إلى بناء البديل الواقعي الذي يملأ الفراغ.
وهنا أمام المجلس الانتقالي الجنوبي العربي فرصة ليجمع هذه المسارات في منظومة واحدة، تشارك فيها مختلف الطاقات الجنوبية، وتصل فيها المعلومة والاحتياج من أصغر حي إلى القيادة، وتعود منها التوجيهات إلى الميدان..
فالسؤال لم يعد:
كم ساحة نستطيع أنزنحشد؟
بل:
كم فراغًا نستطيع أن نملأ؟
لأن الساحة قد تمتلئ في يوم، ثم تخلو في اليوم التالي.
أما المجتمع المنظم، فلا يخلو.
من تفسير المفسر إلى جمع المبعثر وقراءة الواقع،
ومن حشد الساحات إلى ملء الفراغات،
ومن رد الفعل إلى صناعة الجاهزية.



