يوم المعلم.. مربي الأجيال وصانع الحضارة

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

 

هناك مهنة لا تشبه كل المهن .. وهناك رجل لا يشبه كل الرجال .. هو الرجل الذي أفنى عمره واقفا أمام السبورة .. يبني العقول كما يبني البناء بيته .. ويهذب النفوس كما يهذب الفلاح أرضه .. إنه المعلم .. الذي لولا فضله بعد الله ما قرأنا حرفا ولا كتبنا سطرا ولا عرفنا حقا من باطل.

 

وفي كل عام يقف العالم كله إجلالا لهذا الإنسان العظيم في يوم واحد اتفقت عليه الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو .. هو اليوم العالمي للمعلم .. يوم ليس كباقي الأيام .. يوم نقول فيه للمعلم شكرا من القلب.

 

الحكاية التاريخية ليوم المعلم العالمي

 

إن قصة يوم المعلم العالمي تعود إلى يوم الخامس من أكتوبر .. ففي مثل هذا اليوم من عام 1966 اجتمعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو مع منظمة العمل الدولية في باريس .. وخرجتا بتوصية تاريخية مشتركة سميت توصية عام 1966 بشأن أوضاع المعلمين .. هذه التوصية وضعت لأول مرة في التاريخ معايير دولية تحدد حقوق المعلم وواجباته .. وشروط إعداده وتدريبه .. وكيفية توظيفه .. وظروف التعليم والتعلم التي يجب أن تتوفر له.

 

وبقيت هذه التوصية وثيقة مرجعية عالمية .. حتى جاء عام 1994 فقررت الأمم المتحدة واليونسكو أن تجعل من يوم التوقيع على هذه التوصية عيدا عالميا للمعلم .. فأصبح الخامس من أكتوبر من كل عام هو اليوم العالمي للمعلمين .. يحتفل به اليوم أكثر من مئة دولة في العالم .. من عدن إلى طوكيو ومن الرياض إلى باريس.

 

وفي عام 1997 تم استكمال هذه التوصية بتوصية أخرى خاصة بأوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي .. لتكون منظومة متكاملة تحمي المعلم من المدرسة الابتدائية إلى قاعة الجامعة.

 

شعار هذا العام 2026

 

إن احتفال هذا العام 2026 له طعم خاص .. لأنه يصادف الذكرى الستين لتلك التوصية التاريخية .. ستون عاما مرت على أول وثيقة دولية تحمي المعلم .. ولذلك جاء شعار هذا العام ليحمل عنوانا كبيرا .. دعم المعلمين .. ستون عاما من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا.

 

هذا الشعار ليس مجرد كلمات .. بل هو اعتراف بأن مهنة التعليم تواجه اليوم تحديات جديدة لم تكن موجودة قبل ستين عاما .. تحديات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي .. وتحديات تغير المناخ .. وتحديات الإدماج والهجرة والنزوح .. كل هذه الضغوط أثرت في المعلم .. أثرت في وضعه الرمزي فلم تعد مهنة التعليم تحظى بالاعتراف الكافي بقيمتها .. وأثرت في وضعه المهني فأصبحت استقلاليته محدودة ومشاركته في صنع القرار ضعيفة .. وأثرت في وضعه المادي فأصبحت الرواتب لا تتناسب مع أعباء العمل وظروف العمل الصعبة.

 

ولذلك سيكون الاحتفال العالمي الرئيسي في مقر اليونسكو في باريس هذا العام عبارة عن نقاشات رفيعة المستوى حول حماية أوضاع مهنة التعليم والنهوض بها .. وسيشهد أيضا حفل تسليم جائزة اليونسكو حمدان لتنمية قدرات المعلمين في دورتها التاسعة .. كما ستقام احتفالات أخرى في كل أنحاء العالم.

 

يوم المعلم العربي

 

ولأن أمتنا العربية لها خصوصيتها .. فقد أقرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو يوما آخر للمعلم العربي .. هو يوم الخامس والعشرين من فبراير من كل عام .. واختارت هذا اليوم ليكون منصة لتقدير دور المعلم العربي وتطوير كفاياته المهنية والابتكارية .. بهدف جعل المعلم حجر الزاوية في بناء المشروع الحضاري العربي وتمكينه من مواكبة المستجدات الرقمية والثورة الصناعية الرابعة.

 

وقد أكد المدير العام للألكسو الأستاذ الدكتور محمد ولد أعمر أن الألكسو تعتبر أن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية .. وأن أي إصلاح نوعي في التعليم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الارتقاء النوعي بمهنة المعلم .. وهو ما يتطلب وضع ضوابط ومعايير لمهنة التعليم .. والعمل على تحسين البيئة التي يعمل فيها المعلم من خلال العمل على تطوير أخلاقيات المهنة .. بما يساعد على تحسين أداء المعلمين وحماية مصالحهم .. وبما يمكنهم أيضا من التعامل مع المستجدات ومواجهة التحديات.

 

ودعا الجميع إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمعلم ومنحه المكانة المرموقة اجتماعيا واقتصاديا ومعنويا لأنه يعد مربي الأجيال بناة المستقبل

 

كما أطلقت الألكسو مشروعا رائدا سمي مهارات الابتكار .. يهدف إلى بناء قدرات المعلمين والطلاب العرب من خلال تعزيز مهاراتهم الرقمية والابتكارية بما يواكب متطلبات سوق العمل المستقبلية .. ومن ضمنه مسابقة المعلم المبتكر التي تمثل خطوة استراتيجية نحو تمكين المعلمين العرب من تبني الابتكار في التعليم ونشر ثقافة التعلم القائم على المهارات والمشاريع.

 

لماذا نقف مع المعلم

 

ببساطة لأن مهنة التعليم بدأت تفقد مكانتها في أنحاء كثيرة من العالم .. ولأن المعلم هو أحد أهم الموارد التعليمية على الإطلاق .. فلا يمكن توفير التعليم الجيد بدون معلم مخلص ومؤهل.

 

إن المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومات .. بل هو الربان الذي يقود سفينة العقول نحو شواطئ النور .. والمربي الذي يصيغ الهوية ويهذب الروح .. ولأن شرف العمل يستمد من شرف الموضوع .. فإن مهنة التعليم هي الأسمى .. كونها تتعامل مع أسمى ما في الإنسان وهو قلبه وعقله.

 

ولذلك أجمع الحكماء والعلماء على أن توقير المعلم ليس تفضلا بل هو واجب تفرضه الفطرة ويمليه الشرع .. اعترافا بفضله الذي يمتد أثره من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية.

 

وقد قال الإمام الغزالي كلاما يكتب بماء الذهب .. قال المعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم .. وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس .. وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه .. والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل .. فتعليم العلم من وجه عبادة لله تعالى ومن وجه خلافة لله تعالى وهو من أجل خلافة الله .. فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن لأنفس خزائنه ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه .. فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى.

 

مكانة المعلم في القرآن والسنة

 

لقد عظم القرآن مكانة المعلم تعظيما لم يعظم به أحد .. فقال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات .. وقال تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط .. فجعل شهادة العلماء مقرونة بشهادته وشهادة ملائكته .. وأي شرف أعظم من هذا.

 

وقال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب.

 

وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة .. روي عن أبي أمامة الباهلي قال ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضل على أدناكم .. رواه الترمذي

 

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله وملائكته ليصلون على معلم الناس الخير حتى النملة في جحرها والحوت في البحر.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

 

وقد روى الإمام أحمد في المسند عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه.

 

بل إن القرآن علمنا أدب التلميذ مع معلمه في قصة موسى والخضر .. قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا .. وهذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب والتواضع.

 

ماذا يحتاج المعلم اليوم

 

إن تزويد المعلمين بما يلزمهم للنجاح يمثل أولوية قصوى .. وحتى يعمل المعلم بالقوة الكاملة هو بحاجة إلى أمور أساسية:

 

أولا شروط توظيف لائقة .. بما في ذلك عقود ومرتبات ملائمة وإتاحة آفاق التطور الوظيفي والترقية.

 

ثانيا ظروف جيدة في بيئة العمل .. تقوم على بناء وسط تعليمي يساعد على التعليم ويحمي المعلم من العنف والتهميش.

 

ثالثا تدريب عالي الجودة قبل الخدمة وأثناءها .. يقوم على احترام حقوق الإنسان ومبادئ التعليم الجامع.

 

رابعا إدارة ناجعة تشمل حشد المعلمين وتوزيعهم توزيعا عادلا واجتذاب مواهب جديدة شابة للمهنة.

 

خامسا التمتع بكامل الحقوق الأساسية كالحرية الأكاديمية وحرية الانضمام إلى نقابات مستقلة.

 

إن حماية حقوق المعلمين تساعدهم دون شك على تعزيز سلامة وأمن الفتيان والفتيات الذين هم في عهدهم .. لذا يجب أن نصر على بقاء المدارس أماكن لرعاية الأطفال وتوفير الحماية لهم وللمعلمين.

 

أزمة التعليم في العالم

 

تشير أرقام معهد اليونسكو للإحصاء إلى أرقام مفزعة .. فالعالم يحتاج إلى اثنين ونصف مليون معلم إضافي لتحقيق التعليم الابتدائي للجميع بحلول عام 2027 .. وسيحتاج العالم إلى ثلاثة ونصف مليون معلم إضافي بحلول عام 2030.

 

وإلى جانب تحدي العدد هناك تحدي الجودة .. فغالبا ما يعمل المعلمون دون الحصول على الموارد اللازمة أو التدريب الملائم .. ونحن نواجه اليوم أزمة تعلم عالمية .. إذ هناك ثلاثمئة مليون طفل لا يتعلمون المهارات الأساسية على الرغم من أن أكثر من نصف هؤلاء الأطفال قد أمضوا أربع سنوات في المدرسة.

 

كيف نحتفل بالمعلم

 

كل بلد له طريقته .. ففي المغرب تنشر التهنيئات والتبريكات في المواقع والجرائد التعليمية .. ويتبادل الأساتذة الهدايا والورود .. وتنظم أنشطة مدرسية داخل الفضاءات التربوية .. وتعد جداريات حول المعلم.

 

وفي الهند يحتفلون يوم الخامس من سبتمبر .. وفي أستراليا يحتفلون في الجمعة الأخيرة من أكتوبر لأن الخامس من أكتوبر يصادف عادة العطلة المدرسية عندهم .. وفي الصين يحتفلون يوم العاشر من سبتمبر .. وفي عمان يوم الرابع والعشرين من فبراير .. وفي اليمن ومصر وتونس والمغرب والجزائر وليبيا يوم الثامن والعشرين من فبراير .. وفي العراق يوم الأول من مارس .. وفي لبنان يوم التاسع من مارس .. وفي فلسطين يوم الرابع عشر من ديسمبر.

 

لكن رغم اختلاف التواريخ فالرسالة واحدة .. قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا.

 

إن الاحتفال بيوم المعلم ليس مجرد حفل وتكريم وشهادة شكر .. بل هو فرصة للاحتفاء بدور المعلمين في إحداث تحول في التعليم .. والتفكير في الدعم الذي يحتاجون إليه حتى يتمكنوا من إطلاق العنان لمواهبهم وميولهم المهنية إلى أقصى حد .. وإعادة النظر في مستقبل مهنة التعليم عالميا.

 

إن المعلمين هم الأساس لتعميم التعليم الجيد للجميع .. وبهم تهيأ عقول ومواقف الأجيال القادمة .. بحيث تتمكن من مواجهة التحديات العالمية الجديدة واغتنام ما يستجد من فرص.

 

ولا شك أن قيمة المعلم قيمة ثابتة لا تتزحزح مهما تغيرت الظروف والأحوال .. فهو من أعظم الناس حقوقا كونه يقدم للإنسان أعظم معروف قد يحصل عليه في حياته .. إزالة غشاوة الجهل وعدم المعرفة عنه.

 

فشكرا لكل معلم ومعلمة يزرعون العلم ويصنعون الأثر ويلهمون الأجيال .. شكرا لمن علمونا في مدارس كريتر وعدن .. في مدرسة المهدلي ومدرسة بازرعة ومدرسة السيلة .. شكرا لمعلمينا الذين أفنوا أعمارهم ليصنعوا منا رجالا.

 

إن أثر المعلم لا ينتهي بانتهاء الحصة أو العام الدراسي .. بل يبقى في ذاكرة الطالب ومستقبله إلى أن يلقى الله.

 

اللهم احفظ معلمينا أحياء وأمواتا .. واجزهم عنا خير الجزاء .. واجعل ما علمونا في ميزان حسناتهم …

 

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي

كريتر عدن

 

يوم المعلم

الوثيقة التاريخية الكاملة لمربي الأجيال وصانع الحضارة

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى