أكتوبر… ليس ذكرى، بل عهد كرامة يتجدد

بقلم | أيمن مزاحم

سأكتب هذا المقال وأنا ممتلئ فخراً، لا لأن التاريخ أنصفنا، بل لأننا نحن من صنع التاريخ.

ما كل انتصار تنتهي حكايته عند لحظة الظفر. هناك انتصارات تُكتب بالرصاص، وانتصارات أخرى، أعظم وأبقى، تُكتب بصدق الحفاظ عليها.

في 14 أكتوبر 1963، لم تكن ردفان مجرد جبال. كانت صدراً يتنفس حرية، وصوتاً قال للعالم كله: هنا شعب قرر ألا يُحكم إلا بإرادته. من تلك الصخور الصماء انبثقت أول شرارة، شرارة أشعلها رجال آمنوا أن الأرض عرض، وأن الحرية لا تُستجدى، بل تُنتزع.

أربع سنوات من التضحيات، من الدماء الزكية، من قوافل الشهداء الذين مشوا حفاةً إلا من الكرامة، حتى جاء 30 نوفمبر 1967، يوم طُويت فيه راية الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ورُفعت مكانها راية الجنوب، عالية، خفاقة، تشهد أن الإرادة الجنوبية إذا قالت فعلت.

ذلك هو مجد الأمس الذي نرفع به رؤوسنا اليوم، ونحن أبناء أولئك الرجال.

لكن اسمحوا لي أن أقولها بصراحة كاتب يغار على وطنه أكثر مما يصفق له

إن وفاءنا لثوار أكتوبر لا يُقاس بعدد المهرجانات التي نقيمها، ولا بعدد القصائد التي نلقيها. وفاؤنا الحقيقي يُقاس بسؤال واحد موجع وصادق ماذا فعلنا بالأمانة؟

لقد حرر الآباء الأرض من المستعمر، وهذه هي أمانتنا اليوم أن نحرر الإنسان الجنوبي من أسْر الحاجة، ومن قيد اليأس، ومن ظلم الفساد، ومن وجع الانتظار.

الأمس كان يحتاج إلى مقاتل يحمل بندقية في وجه المحتل.
واليوم يحتاج إلى معلم يحمل كتاباً في وجه الجهل، وإلى طبيب يحمل مبضعاً في وجه المرض، وإلى قاضٍ يحمل ميزاناً في وجه الظلم، وإلى مسؤول يحمل ضميراً في وجه الفساد، وإلى شاب يحمل فكرةً تبني لا تهدم.

الاستقلال ليس لوحة نعلقها على جدران المكاتب في أكتوبر من كل عام. الاستقلال كرامة تصان في طابور المواطن، وعدالة تقام في محكمة، وفرصة عمل تُعطى لشاب يستحق، وحياة كريمة لا يتسولها المواطن بل يجدها حقاً له.

نحن لسنا شعباً يعيش على أمجاد الماضي. نحن شعب جذوره ضاربة في عمق التاريخ،من عدن الحرة، إلى لحج الثورة وردفان، إلى أبين الأبية، وشبوة الصمود، وحضرموت التاريخ، والمهرة الأصالة، والضالع الشموخ، وسقطرى الجمال، لكن أغصانه يجب أن تثمر اليوم. الشجرة التي تكتفي بجذورها دون ثمر، يحكم عليها الزمن باليباس.

يا أبناء الجنوب…

لا تجعلوا أكتوبر مناسبة عابرة للخطب، اجعلوه مرآة.
انظروا فيه لتعرفوا من أنتم، وأبناء من أنتم.

لتكن وطنيتنا فعلاً لا ادعاءً في منشور.
وحريتنا مسؤولية لا شعاراً في هتاف.
وكرامتنا نهجاً يومياً لا ذكرى سنوية.

هذا هو قولي الذي أفخر به، وأعتز حين أكتبه، لأنني حين أكتب عن أكتوبر، لا أكتب عن تاريخ مضى، بل أكتب عن عهد في عنقي، وعن وعدٍ لشهداء سبقونا أن تظل الأرض حرة، وأن يظل الإنسان فيها حراً كريماً.

عاش الجنوب حراً أبياً..
وعاشت ثورة 14 أكتوبر شاهدةً بأن الشعوب التي تحرر أرضها بيدها، قادرة أن تصون كرامتها بيدها الأخرى.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى