لعبة الزمن ( رثائية في الفقيد الشاعر الكبير إيهاب باضاوي ابو آية )

كتب : د . سعيد بايونس
المسافة الممتدة من الغرفة إلى السيارة التي ستقلك إلى مسقط راسك شقرة، كانت أطول مسافة وأنت مسجى على عربة بجثة هامدة فارقت الدنيا بكل ما تحمل.
كان اهتزاز جسدك في أثناء دفع العربة يوقض الأمل داخلي بسريان الحياة فيك وعودتك لنا، وما حيلة المحب أمام هذا السكون لجسد ملأ الدنيا عنفوان.
سكن الجسد المتمرد الرافض، ووقع خطانا بمحاذاة جثته، وكانت أرجلنا أشبه بكتل صخرية لا تقوى على الحركة خوفا من الخطوات اللاحقة، ودت قلوبنا لو أن الزمن توقف عند تلك اللحظة، ويكفي محبيه أن يظل في غيبوبته، ويكفينا حرارة جسده ونبضه.
في تلك اللحظات المهيبة علمنا قيمة الزمن وترشيده في صالح المحبة التي كانت أقوى من تقلبات الزمن، والمواقف السياسية، والمواقف الشخصية، حين تكون المحبة صافية تظل شجرة وارفة الظلال، مخضرة، مثمرة. واوصل لنا رسائل محددة :
الرسالة الأولى:
رحيلك حقق معادلة الحياة، وأثبتت التجارب والمواقف متانة المحبة النابعة من تراب شقرة، فقد كانت أعظم من مواقفنا السياسية المتناقضة، بل سياج آمن لها.
الرسالة الثانية:
حملنا شقرة بين أضلاعنا، وجعلناها هدفا في حياتنا، لنفض غبار التاريخ عنها، وتقديم تاريخها وثقافتها للناس، فتحقق جزء من الهدف، ونعاهدك بمواصلة هذا العهد.
الرسالة الثالثة:
حضور مشرف (رسمي وشعبي) في موكبك الجنائزي، هو بصمة تأكيد على رضا محيطك، وحب ناسك لك يا أبا آية.
الرسالة الرابعة:
نم قرين العين، ولست بحاجة أن توصي أحدا برعاية أولادك، فعبدالله اختبرته الحياة بأصعب ظرف، ونجح بكل تفوق، واستحق أن يكون قائد الأسرة ورائدها في سن مبكرة، في لحظة وداعك كان عبدالله رجلا بكل اقتدار، صلبا في تحمل الصدمة، لم ينهار بل ظهر جلدا صبورا.







