الجزيرة الصامتة تتكلم.. لماذا تحولت أرض “الأنويت” الباردة إلى ساحة صراع عالمي ساخن؟

أبين ميديا/ متابعات /زياد فؤاد

جزيرة صامتة، مغطاة بالجليد، بعيدة عن صخب السياسة الدولية، وبعيدة كل البعد عن اهتمامات العالم أجمع، يعيش فيها ‏‏60 ألف نسمة أغلبهم من شعب مسالم هو شعب الأنويت يعيش متمسكاً بتقاليد قديمة ويعتز بالأهازيج الأنويتية والرقصات ‏التراثية، وسط حياة قاسية مغطاة بالجليد الدائم، سكان الجزيرة دائماً ما يشكون من تجاهل العالم لهم، ولكنها شكوى ‏صامتة لا يسمعها أحد كونها في أقصى شمال العالم حيث يلتقي المحيط المتجمد الشمالي بسماء لا تنتهي، وفجأة أصبحت ‏غرينلاند محور حديث العالم، وتحولت الجزيرة إلى عنوان دائم في تقارير المناخ، وتحليلات الأمن القومي، إحدى أكثر ‏بقاع الأرض قيمةً في عالم يتغيّر مناخه وتتبدّل خرائط نفوذه.. فلماذا غرينلاند وما هي طبيعتها وثقافتها وسر تكالب ‏الرئيس الأمريكي ترامب عليها.. والسؤال الأهم لماذا الآن؟‏

غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، وأكثر من ثمانين في المئة من أراضيها مغطى بالجليد الدائم. ‏يعيش سكانها، ومعظمهم من شعب الإنويت، على السواحل الغربية والجنوبية، حيث تسمح الطبيعة القاسية بهامش ضيق ‏للحياة، عاصمتها نوك ليست مدينة صاخبة بقدر ما هي نقطة تماس بين عالمين: عالم تقاليد الإنويت، وعالم الدولة ‏الحديثة المرتبطة سياسياً بمملكة الدنمارك.‏

فمنذ قرون، ارتبطت الجزيرة بالتاج الدنماركي، لكنها حصلت عام 2009 على نظام حكم ذاتي موسّع، يمنحها إدارة ‏شؤونها الداخلية ومواردها الطبيعية، مع بقاء ملفات مثل الدفاع والسياسة الخارجية ضمن الإطار العام للمملكة.‏

ثقافة أهل الجليد

 

بالنسبة لسكان غرينلاند، لا تُختزل الجزيرة في موقع استراتيجي أو مخزون معادن، الثقافة هنا جزء من الأرض نفسها، ‏الزي الوطني المصنوع يدويًا من جلود وفقمات وخرز ملون ليس مجرد لباس احتفالي، بل تعبير عن هوية قاومت ‏الذوبان الثقافي كما قاومت الجليد، ورقص وغناء الطبل الإنويتي، الذي تصنفه اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير ‏المادي، لا يزال حاضرًا في المناسبات، شاهدًا على تاريخ طويل من التعايش مع بيئة قاسية، هذه الخلفية الثقافية تفسر ‏لماذا استقبل كثير من الغرينلانديين أي حديث عن “بيع” الجزيرة باعتباره إهانة لهويتهم قبل أن يكون نقاشاً سياسياً.‏

لكن السياسة العالمية لا تنظر عادةً إلى الرموز، السياسة العالمية يحكمها قانون المصلحة، فترى أي مصلحة دفعت ‏أمريكا للبحث عن طريقة لوضع اليد على تلك الجزيرة الباردة؟ ‏

ما أعاد غرينلاند إلى واجهة الاهتمام هو تلاقي عاملين: الثروات الطبيعية، والتغير المناخي، حيث تشير تقارير صادرة ‏عن مراكز أبحاث غربية، من بينها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إلى أن باطن غرينلاند يحتوي ‏على معادن نادرة تُعد أساسية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، وهذه المعادن أصبحت محور تنافس ‏عالمي، في ظل سعي الولايات المتحدة وأوروبا إلى تقليص اعتمادها على الصين، التي تهيمن على جزء كبير من سلاسل ‏توريدها.‏

الطريق إلى الثروات

 

غير أن الطريق إلى هذه الثروات ليس مفروشًا بالذهب، البيئة القاسية، وغياب البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل ‏والطاقة، تجعل استغلال المعادن في غرينلاند مشروعًا طويل الأمد ومحفوفًا بالمخاطر، تجربة مشروع “كفانيفيلد” ‏للتعدين في جنوب الجزيرة تحولت إلى نموذج للصراع بين الطموح الاقتصادي والمخاوف البيئية، المشروع، الذي كان ‏من أكبر مشاريع عناصر الأرض النادرة في العالم، واجه معارضة شعبية وسياسية واسعة بسبب ارتباطه باليورانيوم ‏ومخاوف التلوث، وانتهى الأمر بتجميده بعد انتخابات 2021، قبل أن يدخل في نزاع قانوني مع المستثمرين. ‏

هذه القضية كشفت بوضوح أن التعدين في غرينلاند ليس مجرد قرار اقتصادي، بل معركة سياسية وثقافية حول مستقبل ‏الجزيرة، ومستقبل شعبها، الذي قد يتعرض للتهجير بحثاً وطمعا من الباحثين عن الثروات في المعادن والعناصر النادرة.‏

ولسنوات ظل الوضع هادئاً وبارداً برودة الثلج في غرينلاند، لا أحد يهتم بها، وتراكمت حول الجزيرة ثلوج النسيان ‏والتجاهل، ولكن في الخلفية، كان الجليد الحقيقي على الأرض يذوب بوتيرة غير مسبوقة، تقارير علمية وصحفية ‏متخصصة، مثل تحليلات “كاربون بريف”، تؤكد أن غطاء غرينلاند الجليدي يفقد مئات المليارات من الأطنان من الجليد ‏سنويًا، مع مواسم ذوبان أطول وأكثر شدة. ‏

هذا الذوبان لا يعني فقط ارتفاع مستوى البحار عالميًا، بل يغيّر أيضًا الجغرافيا السياسية للقطب الشمالي. انحسار الجليد ‏البحري يفتح نوافذ جديدة للملاحة، ويجعل بعض الطرق أقصر بين أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، كما أنه في وقت ما قد ‏تصبح الجزيرة ملاذاً آمناً لمهاجرين من أماكن سهلية متعددة حول العالم قد يصيبها ارتفاع منسوب المياه عالمياً بالغرق، ‏المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلوج والجليد يشير إلى أن بعض المسارات القطبية قد تصبح صالحة للملاحة لفترات ‏أطول خلال العقود المقبلة، وإن كانت لا تزال محفوفة بمخاطر الطقس والبحار المفتوحة.‏

أهمية عسكرية

 

وسط هذا التحول، تبرز الأهمية العسكرية لغرينلاند. فالولايات المتحدة موجودة في الجزيرة منذ الحرب العالمية الثانية، ‏وتدير اليوم قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمالها، وهي موقع حيوي للإنذار المبكر من الصواريخ الباليستية ومراقبة ‏الفضاء. وزارة الدفاع الأمريكية تصف القاعدة بأنها عنصر أساسي في منظومة الدفاع الصاروخي، خاصة مع ازدياد ‏النشاط الروسي والصيني في المنطقة القطبية.‏

 

هذا الوجود يوضح أن اهتمام واشنطن بغرينلاند لم يبدأ مع التعدين ولا مع تغير المناخ، بل يعود إلى حسابات أمنية قديمة ‏تتجدد بأدوات جديدة.‏

هنا يدخل اسم دونالد ترامب إلى المشهد، ففي صيف 2019، فجّر الرئيس الأمريكي آنذاك عاصفة سياسية عندما قال، في ‏تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية، إن فكرة شراء غرينلاند “صفقة عقارية كبيرة”، معتبرًا أن الولايات المتحدة ‏يمكن أن تستفيد منها استراتيجيًا واقتصاديًا، التصريح، الذي بدا للكثيرين أقرب إلى لغة رجل أعمال منه إلى خطاب ‏رئيس دولة، قوبل برفض حاد من كوبنهاغن، رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن ردّت بوضوح قاطع: ‏‏”غرينلاند ليست للبيع”، ووصفت الفكرة بأنها عبثية، مؤكدة أن الجزيرة “تخص شعبها”.‏

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يلقي بكلام عادي أو ارتجال عكس ما يبدو، بل على العكس تماماً، كل كلمة يلقيها ولو ‏على سبيل المزاح في اللقاءات أو التصريحات هي نية مبيتة، وربما سياسة مرسومة ومعدة يطرحها ليجمعها لاحقاً، ‏وبالفعل كانت تصريحات ترامب في 2019 مجرد بذرة ألقيت في الأرض لتطرح فيما بعد.‏

ترامب وقتها لم يتراجع بسهولة، إلغاء زيارة رسمية إلى الدنمارك آنذاك زاد من حدة التوتر، ورسّخ الانطباع بأن المسألة ‏تتجاوز مجرد زلة لسان، لاحقًا، عاد الجدل إلى الواجهة مع تقارير صحفية حديثة، أبرزها تحقيقات لوكالة رويترز، ‏تساءلت بجدية: هل يمكن أصلًا “تسعير” غرينلاند؟ محللون تحدثوا للوكالة أشاروا إلى أن مقاييس الاقتصاد التقليدية، مثل ‏الناتج المحلي الإجمالي، تفشل في التقاط تعقيدات الجزيرة، من وضعها القانوني، إلى إرادة سكانها، إلى حساسيتها البيئية. ‏وذهب بعضهم إلى أن حديث ترامب قد يكون أداة ضغط سياسية أكثر منه عرضاً حقيقياً للشراء، في سياق صراع أوسع ‏على النفوذ في القطب الشمالي.‏

أمن قومي

 

في المقابل، يرى محللون في الأمن القومي الأمريكي أن تصريحات ترامب، مهما بدت صادمة، سلّطت الضوء على ‏حقيقة استراتيجية: غرينلاند تزداد أهمية مع تغير المناخ، سواء من حيث الدفاع أو الموارد أو طرق الشحن، أو حتى ‏كملاذ، هؤلاء يجادلون بأن واشنطن تسعى، في أفضل الأحوال، إلى تعزيز نفوذها عبر الشراكات والاتفاقيات، لا عبر ‏سيناريوهات الضم المباشر التي ستكون مكلفة سياسيًا وقانونيًا.‏

أما في غرينلاند نفسها، فالنقاش مختلف، أصوات محلية ترى في الاهتمام الدولي فرصة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي، ‏وتقليل الاعتماد على الدعم المالي القادم من الدنمارك، وأصوات أخرى تحذر من أن الجزيرة قد تتحول إلى ساحة صراع ‏بين القوى الكبرى، تُستخرج ثرواتها بينما يُهمَّش سكانها، هذا التوتر بين الحلم بالاستقلال ومخاوف الاستغلال يرافق كل ‏نقاش حول التعدين، وحول العلاقة مع واشنطن، وحتى حول مستقبل العلاقة مع كوبنهاغن.‏

هكذا تقف غرينلاند اليوم عند تقاطع نادر بين الجغرافيا والمناخ والسياسة، جزيرة كانت لقرون هامشية في حسابات ‏العالم، أصبحت في قلبها، لا لأنها تغيّرت، بل لأن العالم من حولها هو الذي تغيّر، الجليد يذوب، والطرق تنفتح، والمعادن ‏تكتسب قيمة، والقوى الكبرى تعيد حساباتها.. وبين كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع غرينلاند أن تكتب مستقبلها ‏بيدها، أم أن موقعها وثرواتها سيجعلانها دائماً موضعاً لرغبات الآخرين؟.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى