تقدير استراتيجي موسّع لكلفة الانخراط العسكري الأمريكي ضد إيران

أبين ميديا /متابعات /يوسف حسن
في سياق إقليمي بالغ الهشاشة، يبرز خيار العمل العسكري الأميركي ضد إيران بوصفه مساراً عالي المخاطر، حتى لو جرى تأطيره على أنه تحرك محدود أو ضربة ذات طابع رمزي. فالبيئة الأمنية في الشرق الأوسط، بطبيعتها المركّبة والمتداخلة، تجعل من أي استخدام للقوة نقطة انطلاق لسلسلة تفاعلات متسارعة، تتجاوز في آثارها الأهداف المعلنة وتفرض على الولايات المتحدة كلفة شاملة ومتعددة الأبعاد.
*1) تصاعد مخاطر الخسائر العسكرية واستنزاف الجاهزية*
أي مواجهة مع إيران ستعرّض القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة لضغوط عملياتية مستمرة، سواء عبر هجمات مباشرة أو عبر استهداف غير مباشر للبنى الداعمة واللوجستية. هذا الوضع لا يعني فقط احتمال ارتفاع عدد القتلى والجرحى، بل يفضي أيضاً إلى استنزاف طويل الأمد للجاهزية العسكرية، وتآكل قدرة الردع في مسارح أخرى ذات أولوية للولايات المتحدة، مثل شرق آسيا أو أوروبا.
*2) كلفة اقتصادية مباشرة على الولايات المتحدة*
إلى جانب الصدمة المتوقعة في أسواق الطاقة العالمية، ستتحمل الولايات المتحدة أعباء مالية كبيرة نتيجة ارتفاع نفقات العمليات العسكرية، وتعزيز الدفاعات عن القواعد والسفن، وزيادة تكاليف التأمين والنقل البحري. كما أن أي ارتفاع حاد في أسعار الوقود سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي الداخلي، عبر زيادة معدلات التضخم، ورفع كلفة الإنتاج والنقل، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن الأميركي.
*3) تهديد المصالح الأميركية العالمية وسلاسل الإمداد*
توسّع نطاق التوتر ليشمل الممرات البحرية الحيوية سيؤثر في حركة التجارة الدولية، بما فيها التجارة الأميركية. تعطّل سلاسل الإمداد، ولو جزئياً، سيؤدي إلى خسائر للشركات الأميركية متعددة الجنسيات، واضطراب في الأسواق المالية، وتراجع ثقة المستثمرين في استقرار البيئة الاقتصادية العالمية التي تقودها واشنطن.
*4) تآكل المصداقية والتحالفات الدولية*
الانخراط في صراع مفتوح أو طويل الأمد من دون تفويض دولي واسع أو إجماع بين الحلفاء قد يضعف صورة الولايات المتحدة كقوة مسؤولة وقائدة للنظام الدولي. بعض الشركاء الأوروبيين والآسيويين قد ينأون بأنفسهم عن التصعيد، ما يحدّ من فاعلية التحالفات القائمة ويكشف واشنطن لتحمّل العبء الأكبر سياسياً وعسكرياً.
*5) زيادة المخاطر الأمنية على الحلفاء والشركاء الإقليميين*
تعريض الدول الحليفة في الشرق الأوسط لضربات انتقامية محتملة سيخلق توتراً سياسياً وشعبياً داخل تلك الدول، وقد يدفع بعضها إلى إعادة النظر في مستوى تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة. هذا التآكل التدريجي في الثقة المتبادلة يمثّل خسارة استراتيجية طويلة الأمد لواشنطن.
*6) توسيع دائرة المواجهة وتعدد ساحات الاشتباك*
في حال شعور إيران بتهديد وجودي، فإن قواعد الاشتباك التقليدية قد تفقد معناها. عندها، تصبح احتمالات اللجوء إلى أدوات وأساليب غير متوقعة أعلى، ما يزيد من خطر انزلاق الوضع إلى مواجهات متزامنة في عدة ساحات، ويجعل السيطرة على وتيرة التصعيد أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لصانع القرار الأميركي.
*7) غياب أفق سياسي واقعي للنهاية*
التجارب السابقة تشير إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تفضي إلى تسويات مستدامة في نزاعات من هذا النوع. ومع غياب مسار سياسي واضح وقابل للتنفيذ، قد تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في معركة طويلة، من دون إنجاز حاسم، ومن دون مخرج يحفظ المكانة والهيبة الاستراتيجية.
إن الدخول في معركة مع طرف يعتبر نفسه مهدداً في وجوده يحمل في طياته احتمالات عالية للتصرف خارج الأطر المتوقعة، وبما يتجاوز حسابات الردع التقليدية. وفي مثل هذا السياق، لا تقتصر الخسائر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتحالفات، والمكانة الدولية، والاستقرار الداخلي. ومن منظور عقلاني استراتيجي، فإن تجنّب الانزلاق إلى مواجهة يُدرك مسبقاً أن كلفها مؤكدة، بينما مسارات الخروج منها غامضة، يظل خياراً أكثر اتساقاً مع المصالح الأميركية بعيدة المدى.








