الصباغة وملابس الأعراس في يافع

كتب . د. عمار دجران العمري
من القماش الأبيض إلى ألوان الأعراس: رحلة الصباغة التقليدية في يافع”
1. مقدمة
مثلت الصباغة من المهن التقليدية العريقة التي رافقت المجتمع اليافعي منذ أقدم العصور، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بعادات وتقاليد الأعراس والمناسبات الاجتماعية. وقد نشأت هذه المهنة نتيجة الحاجة الماسة لتجديد الثياب القديمة وإضفاء الجمال عليها، لا سيما خلال مواسم الأعراس، حيث كانت تُستخدم لتزيين ملابس العروس والعريس وثياب النساء، بما يعكس مظاهر الفرح والزينة والهيبة في المجتمع اليافعي.
2 ألاقمشة ومصادرها
قبل انتشار الصناعات الحديثة، كانت الأقمشة تُستورد من الهند أو الحبشة عبر ميناء عدن، ويُعرف محليًا باسم “الكار”، وغالبًا ما كان لونه أبيض ويُباع بالوار. وكان يُقطّع ويُجهّز بحسب الجنس والعمر، كانت الملابس في تلك العصور مصنوعة من الجلد والكار للكبار والصغار :
2.1 لباس الأطفال
*_الخَواقة_* : قطعة من جلد الأغنام أو الأبقار، يصنعها الخراز، وتُلبس حتى سن محدد.
*المِسْتَرة* : قطعة جلد صغيرة تُعلق على الخواقة لستر عورة الطفل.
2.2 لباس الرجال
*الحواقة للكبار:* جلد مبروم يُلف حول الخصر.
الكار: فوطة بيضاء تُلف على الخصر فوق الحواقة، ولا تتجاوز الركبة غالبًا.
العمامة: قطعة تُلف على الرأس.
*المصون* : قطعة تتدلّى على الظهر والبطن بدل الشميز.
*المعوز والمصنّف:* يُلف حول الخصر أو يُوضع على الكتف أحيانًا.
*2.3 لباس النساء**
البركالة: ثوب يغطي الجسم كاملًا.
*القرقوش أو المقرمة* : لتغطية الرأس.
*الشبكة أو الشبّاك:* زينة خاصة بالمتزوجات، وتُلبس خصوصًا في الأعراس.
ونظرًا لندرة الأقمشة وارتفاع أسعارها، واقتصارها غالبًا على لون واحد، أصبحت الصباغة ضرورة عملية لتجديد الملابس وإضفاء الزينة عليها، لا سيما في الأعراس والمناسبات الاجتماعية.
*3. الصباغة في يافع منطقة العمري*
برزت معامل الصباغة في يافه وخاصة خميس العمري، وتحديدًا في ثلث الخميس في قرية- دار البركة – لكمة المطاحن- . وقد عمل في هذه الورش حرفيون مهرة من كلد، عرفوا باسم “الصبّاغ” أو “الصبّاء”، واتقنوا تلوين الأقمشة وتجديدها بأساليب تقليدية متوارثة عبر الأجيال.
واشتهرت هذه الورش بتزيين ثياب الأعراس، واستمرت في نشاطها حتى منتصف القرن التاسع عشر الهجري، محافظة على مكانتها الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع اليافعي.
4. *المواد والألوان المستخدمة*
كانت المواد محدودة وتعتمد على مصادر طبيعية محلية من ، من أبرزها:
عشىبة الحَوَر
عشبة الصبار
عشبة الحناء
الكركم.
النبيل
سود الغَزّة
وكان اللون النيلي من أكثر الألوان استخدامًا، وخصوصًا في العمائم لما يمنحه من وقار وجمال.
وكانت عملية الصباغة تتم بغلي المواد في أوعية خاصة حسب اللون ، ثم يُغمر الثوب في محلول الصبغة، ويُضاف إليه زيت يُعرف باسم «الجلجل» لتثبيت اللون وإكسابه لمعانًا، ثم يُترك الثوب ليجف في الظل.
5. *مواعيد الصباغة*
كان التحضير للصباغة يبدأ قبل العرس بشهر تقريبًا، حيث تُرسل الثياب إلى الصبّاغ قبل موعد الزفاف بأسبوع على الأقل. وكانت الأولوية لثياب العريس والعروس، ثم تُصبغ ثياب الأقارب وأهل البيت بحسب الترتيب الاجتماعي والمكانة.
6. *ارتداء الثوب المصبوغ في الأعراس*
كانت النساء يحتفظن بالثوب المصبوغ حتى موعد الزفاف، وعند ارتدائه في السمرة يُراعى ترتيب أطراف الثوب بعناية. كما كانت المرأة لا تجلس على الثوب مباشرة، بل يُرفع ويفرش حولها ليغطي جسدها كاملًا، حفاظًا على الحشمة والنظافة ولحماية الصبغة من الاتساخ أو ملامسة الأرض.
7. *غسل وحفظ الثوب*
كانت النساء يغسلن ثيابهن في الماء العذ ب باستخدام مواد عشبية مثل العبَب وغيرها، حفاظًا على ثبات الصبغة ونظافة القماش. ثم يُترك الثوب حتى يجف، ويُطوى بعناية ويحفظ في صندوق خشبي، نظرًا لندرة الثياب ورغبة النساء في صيانتها لاستخدامها في مناسبات لاحقة.
*8. خاتمة الفصل*
مثّلت الصباغة جزءًا أساسيًا من التراث اليافعي، حيث ارتبطت باللباس التقليدي والأعراس، وكانت وسيلة عملية لتجديد الثياب وإضفاء الجمال والهيبة على ملابس العريس والعروس والنساء.
وتُظهر التفاصيل المتعلقة باللباس التقليدي، بدءًا من الأطفال وحتى الرجال والنساء، كيف حافظ المجتمع اليافعي على التوازن بين الجمال والحشمة والذوق الاجتماعي.
كما لعبت ورش الصباغة في خميس العمري ودار البركة بلزمة المطاحن دورًا مهمًا في نقل هذه الحرفة عبر الأجيال، والحفاظ على أهميتها الاجتماعية والاقتصادية.
وتبرز القصص والمواقف في الأعراس مثل قصة “السروية”، لتؤكد كيف أن كل عنصر من عناصر اللباس والصباغة كان جزءًا من التراث الثقافي الذي يميز المجتمع اليافعي القديم، ليظل اللباس والصباغة رمزًا للزينة والفرح والتقاليد الأصيلة.
. _✍🏻 د. عمار دجران العمري
._








