تحرير الدولار الجمركي…”بول في نيسة
كتب ـأ.د مهدي دبان
منذ سنوات ونحن نُسقى ذات العبارات حتى حفظناها عن ظهر قلب: إصلاحات اقتصادية، إصلاحات مالية، إصلاحات إدارية… لكن ماذا كانت الحصيلة؟ كما يقول الناس بمرارة مع الاعتذار عن اللفظ: “بول في نيسة”. لم نجن سوى مزيد من انهيار الخدمات، واتساع رقعة الفقر، وتآكل قيمة الراتب حتى بات الموظف يعد أيام الشهر كما يعد الغريق أنفاسه الأخيرة… كل حكومة تأتي تحمل حقيبة الشعارات نفسها، ثم تذهب تاركة المواطن وحيدا أمام نار الأسعار وجحيم المعيشة…
الإجراءات الحقيقية التي يمكن أن تنقذ الاقتصاد تبقى دائما في خانة “المؤجل”، بينما يتم اللجوء إلى الحل الأسهل والأقسى: تحرير الدولار الجمركي، ورفع الدعم عن المشتقات والمواد الأساسية، وتحويل الرواتب إلى بنوك خاصة لا تزيد المواطن إلا قهرا واستنزافا… وكأن المطلوب من البسطاء وحدهم أن يدفعوا فاتورة الفشل والفساد والعجز المتراكم.
والأصل كان واضحا لكل من أراد إنقاذ البلد لا إنهاكه: السيطرة على الإيرادات ، إعادة تصدير النفط، فالثروات لم تُخلق لتبقى رهينة الخوف والتبريرات… ولا أحد يقنع الناس بأن “الحوثي يهدد”، بينما قوات تُعلف منذ سنوات بالعملات الأجنبية دون أن يرى المواطن أثرا لها على الأرض …. كان الأولى إعادة تشغيل مصفاة عدن لتخفيف النزيف، وتقليص الوزارات المترهلة، وإيقاف البعثات الدبلوماسية التي تحولت إلى رفاهية على حساب شعب جائع، وقطع كشوفات اللهط المسماة “إعاشة” ورواتب لكبار المسؤولين الذين يعيشون في عالم آخر لا يسمعون فيه أنين الناس ولا يرون وجوه الآباء العاجزين عن شراء الدواء أو توفير لقمة العيش…. الشعب يريد دولة تشعر به، تحمي ما تبقى من كرامته، و الجائع لا يمكن أن يُقنعوه بأن ما يعيشه الان هو “إصلاح اقتصادي”.







