عيدروس الزُبيدي.. أيقونة القضية الجنوبية

كتب / عبدالسلام السييلي
في تاريخ الشعوب وقضايا التحرر الوطني تبرز شخصيات استثنائية تتحول إلى رموز تتجاوز حدود المناصب والمواقع الرسمية، لتصبح عنواناً لمرحلة كاملة من النضال والصمود. ومن بين هذه الشخصيات يبرز الرئيس عيدروس الزُبيدي بوصفه أحد أبرز رموز القضية الجنوبية، وقائداً ارتبط اسمه بآمال وتطلعات ملايين الجنوبيين الساعين إلى استعادة دولتهم وهويتهم الوطنية.
لم يصل الزُبيدي إلى هذه المكانة من فراغ، بل من خلال مسيرة طويلة من النضال والثبات على الموقف والتي بدأت في حرب صيف 1994م الغاشمة، حيث كان أحد الضباط المدافعين عن الجنوب. وبعد الاجتياح كان أحد المقاومين عبر تأسيس حركة حتم “حق تقرير المصير” في منتصف العام 1996م، وظل بعدها متمسكاً بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته، رافضاً التراجع عن الثوابت الوطنية التي قدم من أجلها الجنوبيون التضحيات الجسام. وقد أكسبه هذا الموقف حضوراً استثنائياً في وجدان أبناء الجنوب الذين وجدوا فيه قائداً يعبر عن تطلعاتهم ويحمل قضيتهم إلى مختلف المحافل السياسية والإقليمية والدولية.
ومع تصاعد الحضور السياسي والشعبي للزبيدي، تصاعدت في المقابل حملات الاستهداف الموجهة ضده وضد المشروع الوطني الجنوبي الذي يمثله. إن تلك الحملات لم تكن تستهدف شخصه بقدر ما كانت تستهدف القضية الجنوبية ذاتها، ومحاولة إضعاف حضورها وتأثيرها في المشهد السياسي.
إن ما حدث في مطلع يناير 2026 من قصف للقوات المسلحة الجنوبية بطائرات سعودية وعُمانية مثّل صدمة كبرى للجنوبيين الذين لم يكونوا يتوقعونها ممن كانوا يظنون أنهم حلفاؤهم. وأعقب ذلك الاستهداف ما وصفه كثير من الجنوبيين بمسرحية هزلية لحل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يرأسه الزُبيدي، في تصعيد سياسي رافقه تصعيد عسكري ضد القوات الجنوبية.
وخلال الفترة الأخيرة شهدت العاصمة عدن سلسلة من الإجراءات التي اعتبرها الجنوبيون استهدافاً مباشراً لرمزية الزُبيدي ومكانته الشعبية، تمثلت في إزالة صوره من عدد من المواقع العامة. وكان آخر تلك الخطوات إزالة هيكل صورة الرئيس عيدروس الزُبيدي من منصة الحرية في خور مكسر، وهي المنصة التي احتضنت فعالية جماهيرية حاشدة عبّر المشاركون فيها عن رفضهم لما وصفوه بالوصاية السعودية على القرار الجنوبي واعادة انتاج منظومة الاحتلال لتنفيذ خارطة الطريق خدمة للحوثي . وقد أثارت هذه الخطوة موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الجنوبية التي رأت فيها محاولة فاشلة لمحو الرمزية الوطنية التي يمثلها الزُبيدي في الوعي الشعبي الجنوبي.
إن هذه الممارسات تعكس حجم القلق الذي يساور خصوم المشروع الجنوبي من عودته القوية إلى واجهة المشهد السياسي، خاصة في ظل ما يتمتع به من حضور جماهيري واسع وقدرة على تحريك الشارع الجنوبي خلف أهدافه الوطنية. فكلما ازدادت محاولات الاستهداف والإقصاء، ازداد الالتفاف الشعبي حوله باعتباره رمزاً للصمود والثبات على المبادئ.
ولم تتوقف محاولات استهداف الزُبيدي عند حدود الحملات الإعلامية أو الإجراءات الميدانية التي تتم على أيدي سلطات الأمر الواقع المدعومة سعودياً، بل امتدت إلى الساحة الدولية عندما طالب مندوب الحكومة اليمنية لدى الأمم المتحدة في يونيو 2026 بإدراج اسمه ضمن قائمة العقوبات الدولية، متهماً إياه بعرقلة العملية السياسية على الرغم من كونه أحد أعضاء مجلس القيادة الرئاسي. وتُعد هذه الخطوة، في نظر مؤيديه، دليلاً إضافياً على حجم التأثير الذي بات يمثله في المعادلة السياسية، ومحاولة لتجريم القضية الجنوبية واستهداف أحد أبرز قادتها بعد أن فشلت محاولات إقصائه أو تقليص حضوره على الأرض.
ومن يتابع مسار القضية الجنوبية خلال العقود الماضية يدرك أن عيدروس الزُبيدي لم يكتسب مكانته من منصب أو سلطة، بل من حضوره في مختلف المحطات المفصلية التي مرت بها القضية الجنوبية. فالرجل ظل حاضراً في وجدان قطاع واسع من الجنوبيين باعتباره أحد أبرز المدافعين عن حق الجنوب في استعادة دولته، واستطاع رغم حملات الاستهداف والضغوط السياسية والإعلامية أن يحافظ على مكانته كأحد أكثر القيادات تأثيراً في الشارع الجنوبي.
وبالنسبة لي، فإن عيدروس الزُبيدي يمثل نموذجاً للقائد الذي تمسك بقناعاته السياسية ولم يتخلَّ عن المشروع الذي حمله منذ سنوات طويلة، رغم ما واجهه من تحديات وضغوط. ولهذا لا يزال يحظى بمكانة خاصة لدى كثير من أبناء الجنوب الذين يرون فيه رمزاً سياسياً ارتبط اسمه بقضيتهم الوطنية، وأحد أبرز الوجوه التي حملت قضية استعادة الدولة الجنوبية إلى الساحات المحلية والإقليمية والدولية. ومن هنا جاء استهدافه المستمر، لأن استهداف الرمز في نظر خصومه هو استهداف للقضية التي يمثلها، غير أن التجارب أثبتت أن الرموز الحقيقية تزداد حضوراً كلما اشتدت محاولات إقصائها.



