رحلتي إلى بالي الأكثر إثارة وإلهامًا

كتب: حسين بن أحمد الكلدي
كان ذلك في نهاية عام 2015م، عندما عزمت على العودة إلى جدة، عروس البحر الأحمر، لكن تلك الرحلة اعترضها صديق من جزيرة بالي، جوهرة إندونيسيا الساحرة. وهو أحد أصحاب المصانع الذين عملنا معهم لمدة ثماني سنوات، حيث وجَّه إليَّ دعوة خاصة للاستمتاع معه في الجزيرة لمدة أسبوع. اتجهتُ مباشرة من كوانزو إلى بالي، حيث كان في استقبالي بالمطار، وكانت تلك الزيارة بعد زمن طويل من أول زيارة لي إلى تلك الجزيرة الساحرة عام 1996م. وكانت تلك الإجازة فرصة للترويح عن النفس، جعلتني أنظر إلى الأمام وإلى الخلف، مستخدمًا بوصلةً داخليةً تختزن الكثير من الذكريات والآمال والطموحات الكبيرة للمستقبل. ولأن المرء يحتاج إلى قدرٍ معين من الوقت حتى يستطيع التحلي بالهدوء واستشعار السلام الداخلي، بالرغم من أنني كنت بحاجة ماسة في ذلك الوقت إلى إنجاز مهام كثيرة كانت تؤرقني، لكنني تعمدت أن أقضي قليلًا من الوقت في الاستمتاع الروحي. وكانت تلك المرحلة مهمة في حياتي، نظرًا لتأسيس الشركة والانطلاق بها، ولتغيير منتجاتنا بالكامل، ويُعد ذلك التحول مغامرةً تنطوي على الكثير من الجهد لتحقيق النجاح. لكن في بعض الأحيان يكون أخذ استراحة المحارب هو أكثر الأمور أهميةً وإلحاحًا، لأنها تؤهلك في لحظة حاسمة للإلهام واتخاذ القرارات المصيرية. وفي صباح اليوم التالي لوصولي، ذهبنا إلى البحر،لزيارة الشاطي فكانت هناك صخرةٌ بحريةٌ قائمةٌ وسط البحر قريبة من الشاطيء » يتربع على قمتها مبنى صغير يُعرف بمعبد «تان يوت»، وتحيط به أشجار خضراء معمرة. وكنا في السابق نتسلق إليها سيرًا على الأقدام، لكنني وجدتها وقد غمرتها المياه، وأحاط البحر بها من كل جانب بعمق يقارب أربعة أمتار، فلم نستطع الوصول إليها إلا عن طريق القارب، ولكن لم نتمكن من ذلك بسبب ارتفاع الأمواج.في ذلك الوقت في الحقيقة، إن السير في الطبيعة الخلابة في بالي يجدد الطاقة بطرق لا يستطيع أي نشاط آخر أن يحققها. كما أن الاستماع إلى الموسيقى وتذوق المأكولات البحرية الإندونيسية لهما طعم مميز، ويتركان أجمل الذكريات، ليمنحاك روح السعادة في تلك الحياة الجميلة على أرض بالي. فهذه لحظات ينبغي أن تختلسها بهدوء، دون أن تعكر صفو المياه الرقراقة التي تنساب في حياتك وعلى مخيلتك. وتذكر أننا نعيش مرة واحدة في هذه الحياة فقط. وعند الانطلاق إلى شواطئ بالي الجميلة، ستراها تتزين بمختلف بالجبال البركانية ومزارع الارز والشلالات الجميلة وتلاحظ في كل مكان الأنشطة التي يمارسها السياح، فهم يملؤون الشاطئ حركةً ونشاطًا ويتلون البحر برياضة التزلج على الأمواج العالية ، وكلٌّ منهم يغترف من الفرح والبهجة بقدر ما تمنحه الحياة من متعة وسعادة، ليستمتع بوقته إلى أقصى حد. وتلاحظ القوارب مصطفة على الشاطئ وفي عرض البحر، جاهزة للمغامرين الراغبين في الاستمتاع وزيادة الأدرينالين أثناء التحليق بالمظلات فوق مياه البحر، حيث تسحبهم القوارب وهم يعتلون المظلات عاليًا في السماء، فيحلقون في الهواء الطلق، ويطلقون الصيحات والقهقهات بأصوات مرتفعة، وكأنهم لا يقبلون العودة إلى الشاطئ. وعلى جزيرة بالي، سوف ترى شروق الشمس بشكل مختلف يدعوك إلى التأمل العميق في الأمواج وهي تضرب بجانب الجبل، فتُحدث صوت ارتطامٍ قوي، ويتطاير رذاذ البحر، ليرتفع منه قوس قزح بألوانه الزاهية، فيجعلك تتأمل ما أودعه الله من جمال وبركة في خلقه. وكان صاحبي يقول لي: «أمعن النظر في هذا المنظر الجميل». حينها أدركت المغزى من هذه الرحلة، وأن الله جعل النفس تسعدها أبسط الصور، كما يحزنها أبسط الكلام. وعند العودة إلى جدة الجميلة، واجهتني معضلة ازعجتني عندما تعطلت بطاقتي الائتمانية، وكادت ماكينة الصراف الآلي أن تحتجزها، ولم أخبر صاحبي بذلك. وعندما وصلنا إلى جاكرتا افترقنا، وهناك واجهتني مشكلة، إذ إن العملة الإندونيسية التي كانت بحوزتي قد تغيرت، ولم يقبلها الصرافون، وأنا لم أكن أعرف ذلك. لذلك لم أستطع دفع رسوم خدمات المطار، وحاولت بيني وبين نفسي أن أستدين من أحد المسافرين المتجهين إلى جدة، لكنني لم أستطع أن أطلب ذلك من أحد خوفًا من أن يسيء فهمي. وفي تلك اللحظة الحرجة، أسعفتني المبالغ التي كنت أحتفظ بها من سفراتي السابقة، وأحملها معي دائمًا في حقيبة الكمبيوتر، عندما تذكرت من بينها عملات ماليزية صرفتها، فتنفست الصعداء بعد أن صرفت جزءًا منها، ودفعت رسوم خدمات المطار، ثم توجهت إلى الطائرة السعودية بعد أن استعادت روحي توازنها إثر تلك اللحظة الحرجة.

حسين بن أحمد الكلدي
29/6/2026

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى