حين يصبح الإنسان أخطر على الزراعة من التغيرات المناخية

كتب / م. عبدالقادر خضر السميطي
يتحدث العالم اليوم عن التغيرات المناخية باعتبارها أحد أكبر التحديات التي تواجه الزراعة، وهذا أمر لا جدال فيه. لكن الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن هناك عوامل أخرى قد تكون أشد ضرراً على هذا القطاع الحيوي، عندما يتحول الإهمال، وسوء الإدارة، وتعطيل المؤسسات، إلى عقبة تقف في وجه التنمية والإنتاج.
فالكوارث الطبيعية قد تؤثر في موسم زراعي أو عدة مواسم، أما القرارات الخاطئة، وغياب التخطيط، وتعطيل المرافق الإنتاجية والخدمية، فإن آثارها تمتد لسنوات طويلة، فتؤدي إلى إهدار الإمكانات، وتراجع الأداء، وفقدان فرص كان يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني.
*حين يكون الإهمال أشد من الجفاف*
ومن أراد أن يرى الدليل على ذلك، فليتفقد المرافق الزراعية، والمختبرات، والمشاتل، ومراكز إنتاج البذور، ومنشآت الري، وجهاز الإرشاد الزراعي. فالكثير من هذه المرافق لم تتوقف بسبب الجفاف أو ارتفاع درجات الحرارة، بل بسبب تراكم الإهمال، وضعف المتابعة، وغياب الرؤية الواضحة.
*محطة البحوث الزراعية بالكود إمكانات كبيرة وعطاء معطل*
ولعل محطة البحوث الزراعية بالكود في دلتا أبين تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المشكلة. فالمحطة تمتلك مزارع بحثية، ومشاتل، ومختبرات، وبنية تحتية أُنشئت لخدمة الزراعة والبحث العلمي، إلا أن جانباً كبيراً من هذه الإمكانات أصبح معطلاً بسبب غياب الموازنة التشغيلية اللازمة لتسيير أعمالها.
كما تعاني المحطة من نقص حاد في العمال الأساسيين اللازمين لتشغيل المزرعة، وإدارة المشاتل، وصيانة المرافق، إضافة إلى أن ما يقارب 95% من المهندسين والباحثين والخبراء الذين أسهموا في بناء مكانتها العلمية قد أُحيلوا إلى التقاعد دون تعويضهم بكوادر جديدة.
وهكذا لم تتراجع المحطة بسبب التغيرات المناخية، وإنما بسبب توقف مقومات التشغيل، واستنزاف الخبرات، وغياب الدعم المؤسسي، رغم أنها كانت وما زالت قادرة على أن تكون مركزاً وطنياً لإنتاج المعرفة والتقنيات الزراعية.
*جهاز الإرشاد الزراعي… الحلقة الأضعف في خدمة المزارع*
ولا يختلف واقع جهاز الإرشاد الزراعي كثيراً، فهو الجهة التي يفترض أن تنقل نتائج البحوث والتقنيات الحديثة إلى المزارعين، لكنه يفتقر في كثير من المواقع إلى أبسط وسائل العمل.
فلا توجد وسائل نقل تمكّن المرشدين من الوصول إلى الحقول، ولا وسائل إعلام زراعي أو نشرات إرشادية، ولا أجهزة حاسوب لتوثيق الأنشطة، بل إن بعض المكاتب تفتقر حتى إلى الطاولات والكراسي والمراوح التي توفر الحد الأدنى من بيئة العمل المناسبة.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح من الصعب على جهاز الإرشاد أن يؤدي رسالته، ليس بسبب غياب الكفاءات، وإنما بسبب غياب الإمكانات الأساسية التي تمكنه من خدمة المزارعين.
*المشكلة ليست نقص الموارد فقط*
إن أسوأ ما تواجهه المؤسسات ليس قلة الإمكانات فقط، بل وجود عقلية تقاوم التطوير، وتضع العراقيل أمام كل خطوة إيجابية، وتتعامل مع المصلحة العامة بمنطق ضيق لا ينسجم مع احتياجات المرحلة.
وعندما يغيب التقييم والمحاسبة، يصبح التعطيل أمراً مألوفاً، وتضيع الطاقات بين الإجراءات البطيئة والقرارات غير المدروسة.
*الدعم يجب أن يذهب إلى الأولويات*
لقد أسهم توجيه الدعم والمشاريع بعيداً عن الأولويات الحقيقية في إضعاف الأثر التنموي المنشود. فما تزال الحاجة قائمة إلى مشاريع مستدامة تعيد تأهيل المرافق الزراعية، وتطور المختبرات، وتوفر التقنيات الحديثة، وتدعم المزارعين بوسائل إنتاج حقيقية تضمن استمرار العطاء لسنوات طويلة.
ومن الضروري أيضاً أن تلتزم الجهات المنفذة والمانحة بربط كل منظومة ري تعمل بالطاقة الشمسية بتركيب شبكات الري الحديثة، وفي مقدمتها الري بالتنقيط أو الري بالرش وفقاً لطبيعة المحصول، حفاظاً على الموارد المائية، ومنعاً لهدر المياه، وترسيخاً لثقافة الاستخدام الرشيد لكل قطرة ماء.
*الطريق إلى نهضة زراعية حقيقية*
إن الزراعة لا تحتاج إلى وعود كثيرة بقدر حاجتها إلى إدارة واعية، وإرادة جادة، وخطط واضحة تنطلق من الواقع وتستثمر ما تبقى من مقومات النجاح. فالمؤسسة التي تُمنح الفرصة للعمل بعيداً عن التعطيل قادرة على تحقيق نتائج كبيرة، والمزارع الذي يجد الدعم الصحيح يستطيع أن يضاعف إنتاجه ويسهم في تعزيز الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
*رسالة إلى صناع القرار*
قبل أن نلقي اللوم على المناخ، علينا أن نسأل أنفسنا:
ماذا فعلنا بالمرافق التي أُنشئت لخدمة الزراعة؟
ماذا قدمنا للمؤسسات التي كانت يوماً منارات للعلم والإنتاج؟
ولماذا تُترك الكفاءات تغادر دون أن يُستفاد من خبراتها أو يُعوض عنها؟
إن إصلاح الخلل الإداري، وتوفير الموازنات التشغيلية، وإعادة بناء الكادر البشري، وحماية المرافق من التعطيل، وإعطاء الكفاءات فرصة للعمل، هي الخطوة الأولى نحو نهضة زراعية حقيقية.
*اخيرا وليس باخر*
التغيرات المناخية تحدٍّ تفرضه الطبيعة، أما الإهمال، وسوء الإدارة، وتعطيل المؤسسات، فهي مشكلات من صنع الإنسان، وما دام الإنسان هو من صنعها، فهو قادر على معالجتها متى توفرت الإرادة الصادقة، والرؤية السليمة، والقرار المسؤول لخدمة الأرض والإنسان والوطن.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين



