في ظل غياب المشاريع المستدامة و الخطط السليمة .. بوادر أزمة مياه خانقة تلوح في أفق الأزارق بالضالع.

أبين ميديا/ تقرير/ محمد مقبل أبو شادي
شهدت عشرات آبار المياه السطحية في عدد من القرى و المناطق في مديرية الأزارق بالضالع، التي تُعتبر المصدر الوحيد للمياه، مؤخرًا نضوبًا كليًا في بعض الآبار و جزئيًا في بعضها، مما ينذر بأزمة مائية خانقة ستشهدها المديرية الأكبر مساحة و تعدادًا سكانيًا في محافظة الضالع، بعد موسم أمطار هو الأقل منذ عشرات الأعوام. و ذلك بعد تأخر نزول الأمطار في هذا الموسم الحالي.
يعاني أكثر من 100 ألف نسمة من أبناء الأزارق، حسب تقديرات شبه رسمية، من انعدام الأمن المائي و عدم توفر أبسط مقومات الحياة، وسط صمت الجهات الرسمية و غياب المشاريع المستدامة من قبل المنظمات الدولية، التي تكتفي بمشاريع صغيرة لا طائل منها، خصوصًا في مجال المياه الذي تعاني منه الأزارق منذ عشرات الأعوام.
و بحسب مصادر محلية، فإن الآبار السطحية في وادي الرونة و الرعدية و ضبعان و الشرف و حودين و طبقين و حمادة، و التي تعتبر من أكبر الأودية التي تتواجد فيها الآبار التي تغذي سكان المديرية بالمياه، بدأت بالنضوب الكلي لعدد كبير من الآبار، و جزئي لبعض الآبار التي لا يتجاوز إنتاجها من المياه أكثر من 5000 لتر يوميًا، و هي الكمية التي تستخدمها أسرة متوسطة في الأزارق لمدة شهر واحد فقط. مما يشير إلى استفحال أزمة المياه في الأزارق خلال الأشهر القليلة الماضية.
وفقًا للمصادر، فإن نضوب مياه الآبار في مناطق المرتفعات الجبلية بالازارق، التي تعتبر من أكثر مناطق المديرية كثافة سكانية، يدفع الأهالي لشراء وايتات مياه قد يصل سعرها إلى أكثر من 150 ألف ريال أو 200 ألف ريال في بعض المناطق، وسط عجز الكثير من الأسر عن دفع تكاليف قيمة المياه، مما ينذر بكارثة مائية كبرى.
تعيش غالبية قرى الأزارق الوسطى، التي تشكل الكتلة السكانية الأكبر في المديرية، بالقرب من بطون الأودية الكبيرة مثل وادي الرونة و الرعدية، أزمة خانقة في المياه بسبب شح الأمطار التي هطلت خلال موسم الأمطار الأخير في الأزارق العام الماضي، و نتيجة لتأخر هطول الأمطار في الموسم الحالي، مما تسبب في جفاف الآبار السطحية التي يعتمد عليها المواطنون كمصدر وحيد للمياه.
تعود أزمة المياه التي تعاني منها الأزارق حاليًا لعدة أسباب، منها أسباب طبيعية مثل شح الأمطار الموسمية خلال الأعوام الماضية. إلا أن غالبية الأسباب تتمثل في غياب الرؤية السليمة و انعدام الحلول الرسمية من قبل الإدارات المحلية التي تعاقبت على الحكم في المديرية، بالإضافة إلى عدم وجود خزانات استراتيجية لحجز مياه الأمطار و تغذية الآبار السطحية. كما يعاني أيضًا من انعدام مشاريع المياه الاستراتيجية المتمثلة بالآبار الجوفية، التي تم حفر عدد منها خلال الأعوام الماضية، لكنها فشلت لأسباب عديدة، أبرزها سوء الإدارة و الفشل الهندسي.
في ذات الصدد، أشارت تقارير أصدرتها منظمات متخصصة في المجال الصحي و البيئي إلى ارتفاع حاد في حالات الإصابة بمرض الكوليرا و غيرها من الأمراض في المناطق الواقعة على ضفة نهر غيل بلاد الأحمدي، الذي ينبع من محافظة إب و يمر في الأزارق وصولًا إلى لحج. أوضحت التقارير أن هناك ارتفاعًا كبيرًا في حالات الإصابة بالكوليرا في تلك المناطق، و أن المياه التي تُستخرج من الآبار السطحية في مناطق أعمور و تورصة و حلحال و حورة أصبحت غير صالحة للاستهلاك الآدمي بسبب ارتفاع نسبة التلوث إلى مستويات كبيرة تنذر بكارثة إنسانية و صحية و بيئية في تلك المناطق.
فما بين مطرقة التلوث و سندان الجفاف، تعيش مديرية الأزارق كارثة مائية هي الأكبر في تاريخها، مما قد يتسبب في نزوح مئات الأسر هربًا من العطش، و نفوق المواشي التي تعتبر مصدر الدخل الوحيد لعدد كبير من الأسر، في ظل مؤشرات كارثية للأزمة المائية الخانقة التي تعاني منها الأزارق اليوم.
و في صميم الأزمة المائية الخانقة في الأزارق، تركز السلطات على مشاريع ثانوية لا فائدة منها، خصوصًا في ظل انعدام مشاريع المياه المستدامة في المديرية. الأمر الذي يضع السلطة الحاكمة في المديرية على محك المساءلة التاريخية بسبب غياب الخطط الاستراتيجية و انعدام وسائل التخطيط الحضاري ضمن مصفوفة الاحتياجات الرئيسية التي تتطلبها المديرية.
و نفذت عدد من الهيئات الإغاثية و المنظمات الدولية و المشاريع الخيرية خلال الأعوام الماضية عددًا من مشاريع المياه، و التي تمثلت في تغطية الآبار السطحية و تعميقها في بعض الأحيان، و إغلاقها، و توفير غطاسات لشفط المياه عبر الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى خزانات تجميع ثابتة و متحركة. إلا أن غالبية هذه المشاريع فشلت بسبب الجفاف الكبير الذي أصاب المديرية مؤخرًا و قلة هطول الأمطار التي تغذي الآبار بالمياه عبر السيول المتدفقة من الجبال و الهضاب. لذلك، لم تعد مشاريع المياه السطحية تُحدث تغيرًا في الواقع.
تحولت العديد من الآبار التي تم دعمها بمنظومات الطاقة الشمسية و الخزانات و غطاسات شفط المياه، و التي شهدت بعض الترميمات، إلى آبار خاصة يسيطر عليها بعض المتنفذين إما بطريقة بلطجية أو تحت يافطة الملكية الأصلية للبئر. و رغم تنازل العديد من ملاك الآبار عنها قبيل تنفيذ المشاريع من قبل المنظمات و الهيئات، إلا أن الأمور انقلبت بعد تجهيزها، وسط غياب الدور الرقابي للجهات المسؤولة في المديرية.
تحدثت مصادر مجتمعية في الأزارق عن أزمة المياه الخانقة التي تشهدها المنطقة، و التي تشتد عامًا بعد عام، ووقد راح ضحيتها العشرات من أبناء المديرية خلال السنوات الماضية، غالبيتهم من النساء اللواتي تعرضن للسقوط في الآبار السطحية أثناء جلب المياه بالطرق التقليدية القديمة. كما تعرض بعض الرجال لحوادث أثناء قيامهم بتنظيف الآبار من المخلفات و الرواسب بطرق تقليدية، مما كلف البعض أرواحهم، بينما تسبب في إصابة الكثيرين بالكسور و الإعاقات. في مؤشر خطير يشير الى ان الأزمة المائية التي تعاني منها الأزارق قد تعدت الأضرار التقليدية و أصبحت خطرًا يفتك بأرواح المواطنين و يهدد حياتهم.
إلى ذلك، تنعدم في مديرية الأزارق أي مشاريع لمياه مستدامة في ظل حاجة المديرية لعدد من الآبار الجوفية التي ستساعد السكان في التغلب على أزمة المياه، خصوصًا و أن المخزون السطحي من المياه في الأزارق قد انخفض إلى مستويات متدنية خلال الأعوام الماضية.
و يطالب أبناء مديرية الأزارق الجهات المعنية في الحكومة و الهيئات الإغاثية و الإنسانية و المنظمات بإيقاف أي مشاريع أخرى في مجالات الطرق و الصحة و الأدوات التي توزعها المنظمات بشكل عبثي، و تكلف مئات الآلاف من الدولارات. و يجب التركيز على جانب المياه و دعم المديرية بمشاريع مياه مستدامة من خلال مشاريع الآبار الجوفية، التي أصبحت الحل الأخير للحصول على المياه في الأزارق بعد نفاد مخزون المياه السطحية في المديرية.








