ورشة عمل لم تُعقد… وحكاية تستحق أن تُروى

كتب/ م. عبدالقادر خضر السميطي
ليست كل الهزائم تُقاس بخسارة مشروع أو تعثر برنامج، فهناك هزائم أشد وجعا حين نخسر فرصة لحفظ الذاكرة، وصيانة الإرث، ونقل الحكمة من جيل إلى جيل.
في يومٍ من الأيام، اجتمعنا مع نخبة من الدكاترة والمهندسين الزراعيين، يحملنا همّ واحد، وتجمعنا فكرةٌ كنا نؤمن بأنها تستحق أن ترى النور. اتفقنا على إقامة ورشة علمية تقييمية تُسلّط الضوء على السيرة التاريخية والفنية والذاتيه لمنظومة الري السيلي، أو ما يُعرف بالري التقليدي، في دلتا أبين تلك المنظومة التي لم تكن مجرد وسيلة لري الأرض، بل كانت نظاما متكاملًا في الإدارة والعدالة والتكافل، صنع استقرار الزراعة في دلتا أبين لعقود طويلة.
وكان الهدف من هذه الورشة استعراض السيره الذاتيه وكذالك اللائحة الداخلية والتنظيمية للري، وشرح أهميتها في تنظيم توزيع المياه، وحماية حقوق المزارعين، وترسيخ ثقافة العدالة بين الجميع، خاصة في ظل دخول أجيال جديدة إلى العمل الزراعي، لم تعاصر تلك الأعراف، ولم تتعرف على القوانين التي وضعها الآباء والأجداد بحكمة وخبرة تراكمت عبر السنين.
لقد كان هدفنا أن نربط الماضي بالحاضر، وأن نحفظ ذاكرة الدلتا قبل أن تتبدد، وأن ننقل هذا الإرث العظيم إلى من سيواصلون زراعة الأرض وحراسة مياهها.
ولأن الأفكار الكبيرة لا يصنعها شخص واحد، فقد كنت صاحب فكرة هذه الورشة، ومنذ اللحظة الأولى كنت على تواصل مستمر مع نخبة من الأكاديميين والخبراء الذين آمنوا بأهميتها، وأبدوا استعدادهم لإنجاحها بكل ما يملكون من علم وخبرة.
وكان في مقدمة هؤلاء الأخ الكريم الدكتور ثابت سالم العزب، رئيس الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة، الذي أبدى اهتمامًا بالغًا بهذه المبادرة، ورأى فيها خطوة مهمة للحفاظ على أحد أهم الموروثات الزراعية في دلتا أبين.
كما كان من الداعمين الدكتور حسين الملعسي، رئيس مجلة الراية الاقتصادية، الذي رحب بالفكرة وأكد أهميتها العلمية والوطنية.
كذالك الاخ المستشار الجيولوجي معروف عقبه
ولا يمكن أن أنسى زميلنا العزيز المهندس المرحوم مديرادارة الري عبدالله طبيق، رحمه الله رحمة واسعة، الذي أخبرني بنفسه بأنه سيُعد ورقة عمل متخصصة حول منظومة الري السيلي، مستندًا إلى خبرته الطويلة في هذا المجال، إلا أن القدر لم يمهله، فرحل قبل أن يرى هذه الأمنية تتحقق، وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة، شاهدًا على إخلاصه للأرض والزراعة.
كما كان الدكتور أحمد محرن من الشخصيات التي أبدت استعدادها للمشاركة، إلى جانب عدد من الأساتذة والمهندسين والمهتمين بالشأن الزراعي، ممن لا تسعفني الذاكرة اليوم بذكر أسمائهم جميعًا، لكن التاريخ سيحفظ لهم أنهم كانوا جزءًا من فكرةٍ أرادت أن تُنقذ ذاكرة الري في دلتا أبين.
واتفقنا على أن تكون الورشة محدودة العدد، بحيث لا يتجاوز الحضور خمسين شخصية، تضم كبار وقدماء المزارعين، ومهندسي الري، والباحثين، والمهتمين بالشأن الزراعي، حتى يكون الحوار أكثر عمقًا، وتخرج الورشة بتوصيات علمية وعملية قابلة للتنفيذ.
لكن، وللأسف الشديد، لم تجد هذه المبادرة من يؤمن بها أو يتبناها. حاول بعض الزملاء تسويق فكرة الورشة والبحث عن تمويل بسيط لإقامتها، إلا أن الأبواب أُغلقت، وضاعت الفكرة بين التجاهل وضعف الاهتمام، وكأن الحفاظ على تاريخ الري في دلتا أبين ليس أولوية، رغم أنه يمثل أحد أهم أسرار استدامة الزراعة في المحافظة.
لقد انتصر الإهمال… وخسرت دلتا أبين فرصةً ثمينة كانت كفيلة بإحياء ذاكرة زراعية عريقة، وإعادة الاعتبار لمنظومة أثبتت نجاحها عبر الزمن، قبل أن تعرف المنطقة كثيرًا من التقنيات الحديثة.
إن التراث الزراعي ليس مجرد حكايات تُروى، بل هو علمٌ وخبرةٌ وتجربةٌ إنسانية يجب أن تُوثق، وتُدرَّس، وتُنقل إلى الأجيال القادمة. فالأمم التي تهمل ذاكرتها الزراعية، تُعرّض مستقبلها الزراعي للضياع.
وما زلت أؤمن أن هذه الورشة، وإن تعثرت اليوم، فإن فكرتها لا تزال حيّة، وستأتي الأيام لتؤكد أن الحفاظ على منظومة الري التقليدية ليس حنينًا إلى الماضي، بل استثمارٌ حكيم في المستقبل. فالماء لا يحتاج إلى السدود وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى ذاكرةٍ تعرف كيف تُدار، وعقولٍ تؤمن بأن الحضارات الزراعية تُبنى بالعلم، وتحفظها القيم.
رحم الله رجال الري الأوائل الذين جعلوا من الماء ميثاقًا، ومن العدالة قانونًا، ومن الأرض وطنًا يتسع للجميع. ورحم الله المهندس عبدالله طبيق، والمهندس صالح علي جمل وكل من حمل همّ هذه الأرض وسعى لخدمتها بإخلاص.
وسيظل الأمل قائمًا بأن ترى هذه الفكرة النور يومًا ما، لأن دلتا أبين تستحق مشروعًا وطنيًا يوثق تاريخ منظومة الري فيها، ويحفظ خبرات رجالها، ويعيد الاعتبار لإرثٍ زراعي كان يومًا نموذجًا يُحتذى به.
قد تُلغى ورشة، وقد يتأجل مشروع، لكن التاريخ لا يرحم من أهمل ذاكرته، ولا الأجيال ستغفر لمن ترك إرث آبائها يذوب في صمت الإهمال.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين



