حين يصبح التجاهل أسلوب حياة

ک/ سناء العطوي
في مجالس الأجداد وتحت ظلال بيوت الطين وروافد الكرم، لم تكن الكلمات ، بل كانت خلاصة تجارب حياتيه
ومن بين تلك الأمثال التي تحمل في طياتها حكمة بالغة وتوصيفاً ساخراً لطبائع البشر
يبرز مثل: “أذن من طين وأذن من عجين” .
ولكي نفهم سر هذا المثل ولماذا نطق به الإقدمون
لم يولد هذا المثل صدفة، بل نتيجة مراقبة دقيقة لبيئة القرية والحياة اليومية زمان حيث كانت البيوت من طين.
القصة تبدأ ؛ في الأصل مع شاب تثاقل عن العمل، وسنجد أن الأب كان يطلب من ابنه الشاب أن يضع طبقة من الطين لتلييس سطح البيت قبل موسم نزول المطر.
فبينما هو يليس السطح وهو مكره، جاءت رشقة من الطين في أذنه وشعر أنه لا يسمع بها، فأعجبه الأمر لأنها أعفته من بعض الأوامر، لكن أذنه الثانية ظلت تسمع، فرأى أمه تعجن لتعمل الخبز.
بحثاً عن الراحة المطلقة، أخذ قطعة من العجين وأدخلها في أذنه الأخرى، فصار لا يسمع نهائياً.
وبدلاً من أن يعاقب، صار والداه يلبون طلباته ويشفقون عليه، فوجد في هذا الصمم المصنوع راحة بالغة وإعفاءً تاماً من الواجبات..
من هذه الملاحظة الحية، التقط الأقدمون المعنى وتناقلوه فيما بينهم ؛ فالإنسان الذي يتظاهر بعدم السماع ويتجاهل النصائح والمسؤوليات، يمارس تماماً فعل وضع “الطين والعجين” في أذنيه.
فتبدأ بتهرب بسيط من واجب، تتبعها اللامبالاة بالنداءات، ثم اتخاذ التغافل حيلة دائمة للهروب… وإذا استمر هذا السلوك، تحولت إدارة الأمور إلى صمم اختياري، وتأجلت الواجبات، وضاعت الحقوق بسكوتٍ متلوّن بالراحة الموهومة..
كيف أثرت علينا بحياتنا اليومية؟
رغم أن الزمن غير الزمن، والبيئة اليوم تختلف عن بيئة الأجداد، إلا أن روح المثل لا تزال حاضرة بقوة في تفاصيل حياتنا المعاصرة، وتؤثر في سلوكنا اليومي من حيث نحتسب ،
تراه واضحاً في التعاملات حيث يُواجه المواطن المنهك بالصمت والتجاهل لمطالبه المشروعة، وتراه في الإدارات والمسؤوليات حين يُقابل التدهور الخدمي والمعيشي بإغلاق الآذان وتبادل الاتهامات.
والأدهى من ذلك تجده بوضوح في سلوك الأفراد، حيث يلجأ المواطن نفسه إلى إغلاق أذنيه عن متابعة الأخبار الضاربة والأزمات المتكررة كحيلة دفاعية لحماية صحته النفسية من الانهيار.
قالوها لتكون لنا عبرة؛ فالحكمة الحقيقية تكمن في تحمل المسؤولية والإصغاء الفعال، لأن سد الآذان بـ “الطين والعجين” وإن منح راحة مؤقتة، فإنه لا يمنع السقف المتروك بلا تلييس من أن ينهار فوق رؤوس الجميع.



