قادمون يا صنعاء.. أم قادمون يا حضرموت؟

أبين ميديا/ تقرير
منذ سنوات، يرفع رشاد العليمي ومنظومته العسكرية شعار (قادمون يا صنعاء)، وكأن الطريق إلى صنعاء لا يزال مفتوحًا أمام جيش الشرعية، وأن معركة استعادة العاصمة مسألة وقت لا أكثر. غير أن الوقائع التي تتشكل على الأرض تبدو وكأنها تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: إلى أين يتجه هذا الجيش فعلًا؟ وإلى أي مدينة يقترب؟
ففي الأيام الأخيرة، ومع تصاعد العمليات العسكرية والقصف في مناطق العبر والخشعة ومأرب، برزت حركة نزوح وانتقال واسعة لعدد من العسكريين والمدنيين الشماليين باتجاه مدن وقرى وادي حضرموت، ولا سيما سيئون، فيما اتجه آخرون نحو مناطق الهضبة النفطية، ووصل بعضهم إلى ساحل حضرموت.
وبعيدًا عن توصيف هذه التحركات وأسبابها العسكرية المباشرة، فإن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه هو: لماذا أصبحت حضرموت وجهة متقدمة لهذا الحشد البشري والعسكري، في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه صنعاء هي الهدف؟
هنا تحديدًا يصبح شعار (قادمون يا صنعاء) بحاجة إلى مراجعة، ليس باعتباره مجرد شعار إعلامي، وإنما باعتباره عنوانًا لاتجاه البوصلة العسكرية والسياسية.
فإذا كانت صنعاء هي الهدف، فلماذا تتجه الأقدام جنوبًا؟ ولماذا تبدو حضرموت، بما تمتلكه من ثروات نفطية وموقع جغرافي استراتيجي ومساحة واسعة، وكأنها تتحول تدريجيًا إلى ساحة أساسية في الحسابات العسكرية والسياسية للقوى الشمالية؟
الأخطر أن المشهد يعيد إلى الذاكرة الجنوبية تجربة عام 1994، حين جرى التعامل مع حضرموت بوصفها مفتاحًا للسيطرة على الجنوب وثرواته وموقعه الاستراتيجي. واليوم، يخشى كثير من الجنوبيين أن تتكرر الفكرة نفسها بأدوات وشعارات جديدة، وأن تكون السيطرة على حضرموت أو إحكام النفوذ عليها مقدمة للعودة لاحقًا إلى عدن والضالع ولحج وأبين.
وليس من الضروري أن يكون هناك تحالف معلن بين الحوثيين والعليمي حتى تتقاطع بعض النتائج على الأرض. ففي السياسة والحروب، قد تتقاطع المصالح والنتائج حتى بين أطراف تعلن العداء لبعضها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يقصف من؟ وإنما أيضًا: من المستفيد من تحويل الجنوب، وحضرموت خصوصًا، إلى ساحة استنزاف وإعادة انتشار؟
إن حضرموت ليست طريقًا خلفيًا إلى صنعاء، وليست منطقة يمكن التعامل معها باعتبارها مستودعًا بشريًا وعسكريًا أو جائزة مؤجلة في صراعات القوى اليمنية. إنها أرض ذات خصوصية سياسية وتاريخية، وثروة هائلة، وموقع لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات لمستقبل اليمن والمنطقة.
ومن هنا، ربما آن الأوان لأن يتغير الشعار الذي ترفعه قيادة الشرعية. فبدلًا من أن تقول: (قادمون يا صنعاء)، قد يكون الواقع أكثر صدقًا لو قال:
(قادمون يا سيئون… قادمون يا المكلا… قادمون يا عدن).
لكن الجنوبيين الذين خبروا دروس الماضي لن يكونوا هذه المرة مجرد متفرجين على اتجاه القافلة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: متى يصل جيش الشرعية إلى صنعاء؟ وإنما: لماذا وصل إلى حضرموت أصلًا، وإلى أين يريد أن يصل بعدها؟
وهنا تكمن الحكاية التي ينبغي ألا يغطّيها ضجيج شعار (قادمون يا صنعاء).








