مفارقة العقوبة: كيف فقدت السعودية حلفاءها بسياساتها غير الرشيدة؟

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
الجلاد الذي يبكي على ضحيته
في الرابع من نوفمبر 2017، وقف سعد الحريري أمام كاميرا تلفزيونية سعودية، يقرأ بيان استقالته بصوت مرتجف. خلفه لم تكن خارطة لبنان، بل كانت خارطة “العقوبة”:
السعودية قررت أن تُعلّم حليفها درساً في الطاعة، لكنها دون أن تدري كانت تُعلّم نفسها درساً في الفشل.
ثماني سنوات بعد تلك الليلة، يقف عيدروس الزُبيدي أمام سيناريو مختلف: السعودية تستخدم نفس أدوات الضغط (الحصار، الإغلاق، الوكيل المضاد)، لكن النتيجة لم تكن “استسلاماً” بل “انفجاراً جماهيرياً”. فما الذي تغيّر؟ ولماذا تُعاقب السعودية نفسها حين تُفرط في معاقبة حلفائها؟
هذا ليس تحليلاً تاريخياً فحسب، بل هو “قانون مفارقة العقوبة” في العلاقات الدولية: عندما تتجاوز العقوبة حدّها، تتحول من أداة ضغط إلى أداة تدمير — لكن التدمير هنا يطال المعاقِب قبل المعاقَب.
المشهد الأول: نظرية “مفارقة العقوبة”
في العلاقات الدولية، تستخدم الدول الكبرى ثلاثة أنواع من الضغط على حلفائها:
1. التنبيه: رسائل دبلوماسية خفية.
2. العقوبة: تجميد دعم، سحب تمويل، ضغط إعلامي.
3. الإهانة: احتجاز، إذلال علني، كسر للرمزية السياسية.
القانون يقول: النوعان الأول والثاني يعملان، لكن النوع الثالث “الإهانة” يُفشل العملية برمتها. لماذا؟
لأن الحليف في النظام الإقليمي ليس “شخصاً” بل “رمزاً”. سعد الحريري لم يكن مجرد رئيس وزراء، بل كان “الرمز السنّي” في لبنان. عيدروس الزُبيدي ليس مجرد رئيس انتقالي، بل هو “الرمز الجنوبي” في الجنوب العربي. عندما تُهين الرمز، لا تُهين الشخص، بل تُهين الجماعة التي يمثلها.
وهنا تبدأ “المفارقة”:
الدول الكبرى تريد ترويض الحليف فتهينه، لكن الإهانة تحوله إلى ضحية، والضحية تجذب التعاطف حتى من أعدائها. فتخسر الدولة الكبرى أداة نفوذها، لا لأن الحليف قوي، بل لأنها جعلته بطلاً دون أن يطلب.
هذا هو “قانون مفارقة العقوبة”: العقوبة المفرطة لا تُضعف الحليف، بل تُضعف العلاقة بين الطرفين. وعندما تُضعف العلاقة، تفقد الدولة الكبرى ليس حليفاً فحسب، بل “السردية” التي بنت عليها وجوده.
المشهد الثاني: لبنان 2017 — حين تتحول العقوبة إلى كارثة دبلوماسية
السردية السعودية:
“سعد الحريري يعمل لصالح حزب الله وإيران. يجب إعادته إلى الخط. نستدعيه إلى الرياض. نُجبره على الاستقالة. نُذيعها على تلفزيوننا. نُهينه. نُذله. ثم نُعيده رئيس وزراء مطيعاً.”
ما الذي حدث فعلاً؟
الخطوة الأولى: الاحتجاز
استدعاء الحريري إلى الرياض كان بحد ذاته “إنذاراً”، لكن احتجازه (وإن كان غير معلن) حوّل الإنذار إلى “اختطاف سياسي”. والاختطاف ليس عقوبة، بل هو جريمة.
الخطوة الثانية: البيان التلفزيوني
إجبار الحريري على قراءة بيان الاستقالة على قناة سعودية، وهو يبدو مرتبكاً وخائفاً، حوّله من “سياسي” إلى “ضحية”. والضحية لا تُعاقب، بل تُتعاطف معها.
الخطوة الثالثة: التضامن اللبناني غير المتوقع
حزب الله، الذي كان يُهاجمه الحريري في البيان، تضامن معه. ميشال عون، الذي كان خصماً له، رفض قبول الاستقالة. نبيه بري، الذي يختلف معه، طالب بعودته. حتى سمير جعجع، الخصم التاريخي للحريرية، قال: “الحريري محتجز.”
النتيجة:
السعودية لم تُعاقب الحريري، بل “صنعت الحريري بطلاً”. وعندما عاد إلى بيروت، لم يعد “العميل السعودي”، بل أصبح “الرجل الذي وقف في وجه الرياض.” جمد استقالته. عاد إلى السلطة. لكن هذه المرة، لم يكن “سعد الحريري السعودي”، بل كان “سعد الحريري اللبناني” — وهو ما لم تكن الرياض تريده.
الفشل الاستراتيجي:
السعودية خسرت ثلاثة أشياء دفعة واحدة:
1. الحليف: الحريري لم يعد أداة طيعة.
2. السردية: لم تعد تستطيع القول “نحن ندعم الشرعية في لبنان”، لأنها انكشفت كدولة تختطف رؤساء وزراء.
3. المصداقية الإقليمية: بقية الحلفاء (في اليمن، في لبنان، في الخليج، في كل مكان) نظروا إلى الرياض وقالوا: “هذا مصيرنا إذا خرجنا عن الخط.”
هذه هي “مفارقة العقوبة”: الرياض أرادت “ردعاً” فحصلت على “تمرّد”. أرادت “طاعة” فحصلت على “شك”. أرادت “نموذجاً” فصنعت “تحذيراً” لبقية الحلفاء.
المشهد الثالث: الجنوب العربي 2026 — هل تكرّرت المفارقة أم تغيّرت المعادلة؟
السيناريو:
في ديسمبر 2025 ويناير 2026، قرر عيدروس الزُبيدي وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي تحرير حضرموت والمهرة. الهدف: استعادة الدولة الجنوبية بكل السيادة وبناء “عمق جغرافية” الدولة الجنوبية. الرد السعودي: ضرب القوات الحكومية الجنوبية في حضرموت والمهرة والضالع،إغلاق مطار عدن، ضغط دبلوماسي، دفع “درع الوطن” لاستلام المعسكرات، إجبار الزُبيدي على التوجه إلى الرياض.
السؤال المركزي:
هل نجحت السعودية هنا حيث فشلت في لبنان؟
الإجابة المختصرة:
نجحت تكتيكياً، وفشلت استراتيجياً.
النجاح_التكتيكي:
السعودية تمكنت من:
– احتواء التوسع العسكري: منعت الانتقالي من السيطرة على حضرموت والمهرة.
– تكريس “منطق الوصاية”: أرسلت رسالة واضحة: “الجنوب لا يقرر مصيره. نحن من نقرر.”
الفشل_الاستراتيجي:
لكن السعودية، دون أن تدري، كرّرت نفس خطأ 2017 في لبنان، بل بشكل أشد وضوحاً. وإليك المشهد برمته:
المشهد_الرابع: المليونيات الجماهيرية — عندما يتحول الحليف إلى حركة شعبية
ما_الذي_حدث_في_الساحات_الجنوبية؟
بينما كانت الرياض تُغلق المطار وتضغط دبلوماسياً، كانت الساحات الجنوبية (عدن، المكلا، سيئون، الغيضة، عتق، الحوطة، زنجبار، الضالع، سقطرى) تُشهد شيئاً لم تكن تتوقعه:
مليونياتٌ جماهيرية تخرج تؤكد:
– دعمها الكامل للمجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي.
– رفضها القاطع للوصاية السعودية.
– وصفها للضغط السعودي بـ”الاحتلال” لا “التحالف.”
لماذا_هذا_مهم؟
لأنه يعني أن “مفارقة العقوبة” لم تعد تطال “الزعيم” فحسب، بل طالت “القضية” برمتها.
في لبنان 2017، تضامنت النخب السياسية مع الحريري، لكن الشارع اللبناني لم يخرج بمليونيات. في الجنوب 2026، الشارع نفسه خرج. وهذا يعني أن السعودية لم تُهين “زعيماً” فحسب، بل أهانت “شعباً.”
ما الفرق؟
لبنان 2017 الجنوب 2026
العقوبة طالت شخصاً (الحريري) العقوبة طالت كياناً (الانتقالي + الجماهير)
التضامن كان نخبوياً (سياسيون) التضامن كان شعبياً (مليونيات)
الحريري عاد وجمد الاستقالة الزُبيدي لم يتراجع، والجماهير رفعت السقف
النتيجة: ضعف النفوذ السعودي النتيجة: تحوّل النفوذ السعودي إلى “احتلال” في الوعي الجماهيري
المشهد الخامس: لماذا تصف الجماهير الوصاية بالاحتلال؟
هنا يكمن “الانزلاق الخطير” للسعودية. في 2015، دخلت السعودية اليمن بشعار “إعادة الشرعية.” في 2026، يصفها الجنوبيون بـ”الاحتلال.”
كيف_حدث_هذا_التحول؟
1. من “التحالف” إلى “الوصاية”:
التحالف يُبنى على الندية. لكن عندما تُغلق مطار عدن، وتُجبر القيادة على المفاوضة في الرياض، وتُحلّ قوات “درع الوطن” محل قوات الانتقالي، فأنت لا تتحالف، بل “تُوصّي.”
2. من “الوصاية” إلى “الاحتلال”:
الوصاية تُبقي على شكلية الاستقلال. لكن عندما تُمنع الكيان الجنوبي من التفاوض مع العالم (عقود النفط، الموانئ)، وتُفرض عليه قوات بديلة (درع الوطن)، وتتحكم في حركة قادته، فأنت تُمارس “احتلالاً ناعماً” — والجماهير تُدرك ذلك.
3. الجماهير ليست “أدوات”:
السعودية تتعامل مع الزُبيدي كـ”أداة” يمكن تبديلها. لكن الجماهير التي خرجت في الساحات ليست “أدوات”، بل “فاعلين” يملكون وعياً سياسياً. وعندما يرون أن “أداة الوصاية” (الزُبيدي) تُضغط عليها، فإنهم لا يتخلون عنه، بل يتضامنون معه ضد “مصدر الضغط” (السعودية).
هذا هو “الانعكاس القاتل”:
السعودية أرادت “إخضاع” الزُبيدي، لكنها جعلته “رمزاً للمقاومة” في عيون جماهيره. وهو ما لم تكن تريده الرياض.
المشهد السادس: التقييم— هل فشلت السعودية في الجنوب كما فشلت في لبنان؟
الإجابة: فشلت، لكن بشكل مختلف وأخطر.
في لبنان:
فشلت السعودية لأنها “أفرطت” في العقوبة (الاحتجاز + التلفزيون). النتيجة: فقدت الحريري كأداة، لكنها لم تفقد “السردية السنية” بالكامل. لبنان ظل ساحة صراع، والسعودية ظلت طرفاً فيها.
في الجنوب:
السعودية لم تُحتجز الزُبيدي تلفزيونياً، لكنها “أفرطت” في الضغط الممنهج (محاولة إغتياله، الحصار، إغلاق المطار، وصناعة الوكيل المضاد).
النتيجة: السعودية لم تفقد الزُبيدي كأداة فحسب (لأنه لم يعد أداة من الأساس)، بل فقدت “السردية الجنوبية” برمتها. الجنوبيون الذين كانوا يُرحّبون بالسعودية في 2015، يصفونها بالاحتلال في 2026. وفقدت “السردية السنية” بالكامل، فلم تعد زعيمة السنة، بل هي من تحاربهم.
الفشل هنا أعمق:
لأنه ليس فشل “سياسة” يمكن تعديلها، بل هو فشل “وعي”. السعودية لم تعد “الداعمة”، بل أصبحت “المحتلة” في الوعي الجماهيري. وهذا الوعي لا يُمحى بقرار دبلوماسي.
المشهد السابع: لماذا عاقبت السعودية نفسها؟
السبب الأول: “عمى الرؤية”
السعودية ترى نفسها “المركز” والحلفاء “الأقمار”. لكنها تنسى أن الأقمار، حين تُضرب بقوة، قد تخرج عن المدار. والأخطر: قد تتحول من “أقمار” إلى “شهب” تحرق من وضعها في المدار.
السبب الثاني: “ثقافة الأمر”
في الأنظمة المركزية، والتي تعد السعودية نفسها منها، القرار يأتي من الأعلى: “عاقبه.” لا أحد يسأل: “ماذا لو تحول إلى ضحية؟” لا أحد يرى “الجماهير”، يرون “الزعيم” فقط. وعندما يُهين الزعيم، تُهين الجماهير. وعندما تُهين الجماهير، تُصنع “قضية.”
السبب الثالث: “قصور الأدوات”
السعودية تملك أدوات ضغط (مال، عسكر، إعلام)، لكنها تفتقر لأدوات “الشراكة”. الشراكة تعني: “أحترم قرارك حتى لو اختلفت معك.” لكن “منطق الوصاية” يرفض الاختلاف. فالحليف إما “معي” أو “ضدي.” وعندما يكون “ضدي”، أعاقبه. وعندما أعاقبه بشكل مفرط، أجعله “بطلاً للمقاومة” — وهو ما لم تكن تريد أن يكون.
المشهد الثامن: الخلاصة — هل هناك منفذ؟
السعودية لا تتعلم من تاريخها. في 2017، فشلت مع الحريري. في 2026، تكرر نفس الفشل مع الزُبيدي. والسبب ليس “سوء تقدير”، بل هو “بنية النظام السعودي” نفسه: نظامٌ يقوم على “الوصاية” لا “الشراكة”، وعلى “الأمر” لا “التفاوض.”
لكن الجماهير الجنوبية، بمليونياتها، أرسلت رسالة واضحة: “الزعيم الذي تستطيعون إذلاله لا يعبر عن قضيتنا. نحن من نختار من يمثلنا. ومن يُهان، نتضامن معه. ومن يفرض علينا الوصاية، نصفه بالاحتلال.”
هذه الرسالة ليست “شعاراً”، بل هي “تحول في الوعي”. والوعي، في الجغرافيا السياسية، أخطر من الصواريخ. لأن الصاروخ يُدمر جسداً، لكن الوعي يُدمر “السردية” التي تُبرر وجودك.
السعودية دخلت اليمن بسردية “الشرعية والتحالف.” اليوم، في الجنوب، تخرج هذه السردية من الوعي الجماهيري. وبدون سردية، لا يبقى للوجود العسكري مبرر. وبدون مبرر، يتحول الوجود إلى “احتلال” — والاحتلال، مهما طال، ينتهي.
العقوبة التي تُهين، لا تُروّض. تُثور. والثورة، في النهاية، تعاقب الجلاد قبل الضحية.
دروس مهمة
من أمن العقوبة أساء الأدب. هذا المثل العربي ينطبق على السعودية، لكن بشكل معكوس: من أساء العقوبة، فقد الأدب والحليف معاً.
السعودية لم تفقد الحريري والزُبيدي فقط، بل فقدت شيئاً أخطر: الثقة التي تبني الدول المحترمة أو التي تبحث عن الاحترام لمد النفوذ.
وباختصار: السعودية أو النظام السعودي فقد الاحترام من الأصدقاء. هذا إن تبقى لديه أصدقاء.








