قبل التجديد النصفي.. القضاء يوقف مساعي ترامب لتقييد التصويت البريدي

أبين ميديا /القاهرة الإخبارية – سامح جريس

 

أسقطت المحكمة العليا الأمريكية خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى إعادة هيكلة منظومة التصويت بالبريد في الولايات المتحدة، وذلك قبل سبعة أسابيع من موعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر، وجاء الحكم في صيغة فقرة واحدة غير موقعة، وهو الأسلوب المعتاد في الأحكام الطارئة، ليُنزل بالإدارة هزيمة قانونية مدوية في ملف طالما جعل منه ترامب قضيته الانتخابية الكبرى، مُدعيًا دون دليل أن التصويت البريدي بيئة خصبة للتزوير.

 

وفي هذا الصدد، رصدت تقارير أجنبية هذه المعركة القانونية المتشعبة على مدار أسابيع.

 

تفاصيل الخطة التي هزت الولايات

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الخطة الحكومية، التي أقرتها هيئة البريد الأمريكية بتوجيه من ترامب، كانت تتضمن جملة من الاشتراطات الجوهرية، إذ كانت الولايات ملزَمة بإعادة تصميم أظرف الاقتراع بالكامل لتحمل رموز باركود فريدة لكل ناخب على حدة، إلى جانب رفع قوائم شاملة بأسماء وعناوين وبيانات جميع الناخبين المؤهلين للتصويت البريدي عبر بوابة إلكترونية حكومية.

 

والأخطر في المشهد كله أن هيئة البريد كانت ستمتلك صلاحية رفض توصيل أي بطاقة اقتراع لا تستوفي هذه الشروط، فيما اعترفت الهيئة ذاتها في مستند قضائي مؤرَخ في الثالث من سبتمبر بأن البوابة الإلكترونية المطلوبة لم تكن قد أُطلقت بعد، بل كشف مُبلِّغ مجهول الهوية عن فوضى تعتري عملية الإطلاق المتسرع.

 

وقد وصفت الإدارة هذه الاشتراطات في مرافعاتها بأنها “مجرد متطلبات متواضعة لتصميم الأظرف”، في حين رأى فيها المعارضون تهديدًا وجوديًا للعملية الانتخابية برمتها، لا سيما أن ولايات عدة كـألاباما وديلاوير وكارولينا الشمالية وويسكونسن كانت قد شرعت فعلًا في إرسال بطاقات الاقتراع لناخبيها.

 

ويزيد الأمر تعقيدًا أن نحو ثلث الأمريكيين أدلوا بأصواتهم بريديًا في انتخابات 2024، وفق ما أوردت وول ستريت جورنال.

 

جذور الأزمة

تمتد جذور هذه المعركة القانونية إلى مرسوم رئاسي وقعه ترامب في أواخر مارس الماضي، أمر فيه هيئة البريد بصياغة قواعد جديدة تحكم التصويت البريدي، ليسارع على إثره المدعون العامون في ولايات ديمقراطية وجماعات حقوق التصويت وقيادات الحزب الديمقراطي إلى الطعن في القرار، محتجين بأنه يمس أحكام الدستور الذي يمنح الولايات والكونجرس صلاحية الإشراف على الانتخابات.

 

وقد أفضى ذلك إلى سلسلة متلاحقة من التطورات القضائية، ففي الرابع والعشرين من أغسطس، أجازت المحكمة العليا، بمعارضة قضاتها الليبراليين الثلاثة، مواصلة التخطيط للخطة، معتبرةً أن الولايات لم تتضرر بعد من قواعد لم تدخل حيز التنفيذ، غير أنها نبهت صراحةً إلى أن الحكم ليس باتًا في شأن شرعية المرسوم، كاتبةً أن “الوقت وحده كفيل بالإجابة”.

 

ثم عاد القضاة في حكمهم الأخير ليقلبوا المعادلة، مستخدمين لغة قانونية صريمة مفادها أن الحكومة “غير مرجح أن تنجح في الجوهر” عند استكمال التقاضي، مضيفةً أن “العوامل التقديرية” لا تستوجب رفع وقف التنفيذ الصادر عن المحكمة الابتدائية.

 

انقسام القضاة

تشير نيويورك تايمز إلى أن القضاة لم يكونوا على رأي واحد، إذ كتب القاضي بريت كافانو، المُعيَّن من قِبل ترامب، تأييدًا منفردًا أقرّ فيه بأن قواعد البريد قد تقع ضمن الصلاحيات القانونية للهيئة، بيد أن تطبيقها في هذا التوقيت، بحسب رأيه، “سيكون تعسفيًا”، لأن مسؤولي الانتخابات “لن يجدوا وقتًا كافيًا للتنفيذ السليم”.

 

في المقابل، خالف القاضيان صامويل أليتو وكلاريمس توماس القرار في مذكرة مخالفة مطولة من ثماني صفحات، دافع فيها أليتو عن “الصلاحيات الواسعة” لهيئة البريد في تنظيم توصيل المراسلات، واصفًا الطعن القانوني المُقدَّم بأنه “تمريرة يائسة” لا يُرجَح أن تُفضي إلى شيء، ومُحمِّلًا المتقاضين جزءًا من المسؤولية بسبب التأخر في رفع دعاواهم.

 

جمهوريون وديمقراطيون يرحبون بالحكم

تجاوز الترحيب بالقرار حدود الانقسام الحزبي المعتاد، إذ وصف حاكم كاليفورنيا جافن نيوسم، أحد أبرز الولايات المُطعِنة في الخطة يوم الحكم بأنه “يوم جيد للديمقراطية وسيادة القانون والأمريكيين الساعين إلى ممارسة حقهم الدستوري في التصويت”، مؤكدًا أن بطاقة الاقتراع البريدية باتت “متاحة لكل من يحتاجها”.

 

وفي السياق ذاته، احتفل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية الذي مثل جماعات حقوق التصويت في القضية، إذ أعلنت مديرة مشروع حقوق التصويت صوفيا لين لاكن أن “الرئيس لا يدير انتخاباتنا، وهيئة البريد لا تملك حق البت في صحة أصوات الناخبين، والناخبون، لا البيت الأبيض، هم من سيُقررون نتيجة نوفمبر”.

 

والأكثر لفتًا للانتباه أن الحكم استقطب ترحيبًا حتى من داخل المنظومة الجمهورية، إذ أبدى سبعة مسؤولين جمهوريين عن الانتخابات في ولايات مثل كنتاكي وجورجيا وكانساس وسواها معارضتهم للخطة في مرافعة مشتركة أمام المحكمة، محذرين من أن تطبيقها “سيُفضي حتمًا إلى أخطاء وتأخيرات وإرباك للناخبين ومسؤولي الانتخابات”، بل إن ريكي هاتش، المسؤول الجمهوري عن الانتخابات في مقاطعة ويبر بولاية يوتا، التي تعتمد التصويت البريدي حصريًا تقريبًا، وصف شعوره بـ”الارتياح”، كاشفًا أنه كان يُعِد خطة طوارئ للتخلي عن التصويت البريدي كليًا لو انقلبت كفة الحكم.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى