من قتل الحزب يا ياسين؟! هل اغتالت المؤتمرات الحزبية روح الاشتراكي اليمني أم عجزت القيادات عن تجديد دمه التنظيمي

 

بقلم / منصور محمد شايع العامري

يا ياسين سعيد نعمان
في ذكرى تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني لا نريد خطابات احتفالية تزين الجدران ولا كلمات منمقة تستحضر أمجاد الماضي ثم تعود لتنام في أدراج الأمانة العامة ولا نريد أن تتحول ذكرى التأسيس إلى مناسبة لاستعراض الصور والوجوه التي ظلت تتصدر المشهد بينما يتراجع حضور الحزب في الشارع وتبتعد عنه الأجيال الجديدة
نريد أن نطرح السؤال الذي يؤلم كل من عرف هذا الحزب من بوابة النضال والفكر والتنظيم والسؤال الذي ينبغي ألا يخاف منه أي اشتراكي يؤمن بالنقد والمراجعة
من قتل الحزب يا ياسين؟!
هل قتله الزمن أم أضعفته التحولات السياسية أم أن الخلل تسلل إلى جسده من داخل مؤسساته حتى أصبح الحزب الذي كان مدرسة في التنظيم والعمل السياسي عاجزا عن استعادة مكانته ودوره في الحياة العامة؟
يا ياسين إن الحزب الاشتراكي اليمني ليس مجرد اسم في سجل الأحزاب وليس ذكرى معلقة على جدران المقرات وليس إرثا سياسيا يحق لأي قيادة أن تتعامل معه باعتباره ملكية خاصة أو رصيدا تاريخيا لا ينفد
إنه تاريخ من التضحيات والمدارس الفكرية والنقاشات السياسية والكوادر التي دفعت أثمانا باهظة من أجل مشروعها الوطني ولذلك فإن السؤال عن مصيره ليس خروجا عليه بل هو واجب تجاه تاريخه وأعضائه وقواعده وجماهيره
لقد تعرض الحزب بعد حرب عام 1994 لمرحلة شديدة القسوة من التصفية السياسية والتضييق على نشاطه وتضررت بنيته التنظيمية كما واجه تحديات كبرى في استعادة حضوره السياسي وهي حقائق لا يمكن تجاهلها عند قراءة مسيرته لكن التاريخ وحده لا يفسر كل ما جرى ولا يجوز أن يتحول الماضي إلى عذر دائم لتعليق الإخفاقات عليه
فإذا كانت الظروف قد ضربت الحزب من الخارج فمن واجبنا أن نسأل ماذا فعلت القيادات في الداخل لإعادة بنائه وتجديد مؤسساته واستعادة ثقة أعضائه وتوسيع قاعدته الاجتماعية؟
وهنا يأتي السؤال عن المؤتمر الحزبي
هل المؤتمر العام محطة حقيقية لمراجعة التجربة وتجديد القيادة ومحاسبة المقصرين وصياغة مشروع سياسي جديد أم أنه تحول في الممارسة إلى مناسبة تنظيمية تنتهي أعمالها ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه؟
إن المؤتمر العام بحسب النظام الداخلي للحزب هو السلطة العليا التي تقرر سياسته وتوجهاته التنظيمية والعامة وتنتخب اللجنة المركزية وتصادق على تشكيلاتها وفق الإجراءات المقررة وقد نص النظام الداخلي في نسخته المعتمدة في المؤتمر العام الخامس على انعقاده مرة كل أربع سنوات وفق المادة الخامسة والأربعين
وهذا يعني أن المؤتمر ليس مجرد اجتماع عابر ولا طقسا شكليا بل مسؤولية سياسية وتنظيمية كبرى تتعلق بمستقبل الحزب ومؤسساته وقياداته
فإذا انعقد المؤتمر ولم يشعر العضو بأن صوته مسموع وإذا انتهت أعماله من دون مراجعة صريحة للأداء وإذا لم تتحول القرارات إلى برنامج عمل واضح قابل للقياس والمحاسبة فإن السؤال يصبح مشروعا عن جدوى المؤتمر وعن الفارق بين شرعية النص وروح الممارسة
ولا يجوز أن نحمل المؤتمر وحده مسؤولية تراجع الحزب فالمؤتمر أداة تنظيمية تتحدد قيمتها بما يسبقه من نقاش وما يجري داخله من مشاركة وما يعقبه من تنفيذ ومساءلة
إن المسؤولية تقع على كل هيئة في حدود اختصاصها وعلى كل قيادة بحسب موقعها وعلى كل عضو بحسب قدرته ودوره ولذلك فإن النقد الحقيقي لا يبحث عن كبش فداء بل يطالب بكشف مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنه عبر الأطر النظامية
يا ياسين
إن النظام الداخلي ليس وثيقة تحفظ في الأدراج ولا نصوصا تستدعى حين تكون في مصلحة هذا الطرف أو ذاك إنه مرجعية يفترض أن تحكم الجميع من القاعدة إلى القمة
وقد تناولت النصوص الحزبية مبادئ المشاركة والمسؤولية والمحاسبة والشرعية النظامية كما أكدت مواد النظام الداخلي على حقوق العضو في إبداء الرأي والمشاركة في صياغة السياسة الحزبية وتقديم المقترحات عبر الهيئات والاجتماعات والمؤتمرات
فأين تقف هذه المبادئ من واقع التنظيم اليوم؟
هل يشعر العضو في المنظمة القاعدية بأنه شريك في القرار أم مجرد رقم يستدعى عند الحاجة؟ وهل تستطيع الكوادر الشابة أن تصل إلى مواقع المسؤولية عبر الكفاءة والانتخاب والعمل الميداني؟ وهل تحظى الآراء المختلفة بحقها في النقاش داخل الأطر الحزبية أم يجري التعامل معها باعتبارها مصدر إزعاج؟
هذه أسئلة لا يجوز الإجابة عنها بالشعارات بل تحتاج إلى وقائع وتقارير تنظيمية ومراجعة صريحة يسمع فيها صوت القواعد قبل صوت القيادات
إن الحزب الذي لا يراجع نفسه يترك الآخرين يكتبون مستقبله والحزب الذي لا يفتح نوافذه أمام النقد تتحول مؤسساته إلى غرف مغلقة والحزب الذي لا يجدد قياداته وأدواته وبرامجه يخاطر بأن يتحول من قوة سياسية حية إلى ذاكرة تتغذى على أمجادها القديمة
وليس المطلوب أن نتنكر لتاريخ الحزب ولا أن ننكر ما تعرض له من استهداف بل المطلوب أن نفصل بين الوفاء للتاريخ وتقديس الأشخاص وأن نميز بين احترام القيادات وإعفائها من المساءلة وأن ندرك أن الاعتراف بالأخطاء لا يهدم الحزب بل يمنحه فرصة لاستعادة عافيته
يا ياسين إن السؤال اليوم ليس من يملك الحق في الحديث باسم الاشتراكي بل كيف يستعيد الاشتراكي حقه في التأثير وصناعة الموقف الوطني وكيف يعود إلى الجامعات والنقابات والأحياء وبين العمال والشباب والنساء والمثقفين وكيف يقدم للناس مشروعا سياسيا واجتماعيا يقنعهم بأن الحزب لا يعيش على الماضي وحده بل يمتلك رؤية للمستقبل
إن الحزب الذي قدم تضحيات كبيرة لا ينبغي أن يخشى كشف مواطن ضعفه والحزب الذي يؤمن بالديمقراطية لا ينبغي أن يخاف من تداول المسؤولية والحزب الذي يرفع شعار العدالة لا يجوز أن يتعامل مع المحاسبة باعتبارها خصومة شخصية
فإذا كان هناك خلل في أداء القيادة فلتناقشه المؤسسات وإذا كانت هناك أزمة في المؤتمر فلتراجع قواعد انعقاده وتمثيله ومخرجاته وإذا كان هناك تراجع في المنظمات القاعدية فلتقدم التقارير الصريحة عن أسباب ذلك وإذا كانت الأجيال الجديدة قد ابتعدت فلتسأل القيادة نفسها عن المسافة التي صنعتها بينها وبين الشباب
أما الاكتفاء بإحياء الذكرى وترديد الشعارات فإن ذلك لا يعيد حزبا إلى الشارع ولا يخلق ثقة جديدة ولا يصنع مستقبلا سياسيا مختلفا
من قتل الحزب يا ياسين؟
ربما لا تكون هناك رصاصة واحدة قتلت الحزب وربما تكون الأزمة حصيلة سنوات من التحولات والضغوط والقرارات والإخفاقات التي تحتاج إلى تحقيق تنظيمي جاد لا إلى محاكمة إعلامية مسبقة
لكن المؤكد أن الحزب لن يستعيد مكانته بمجرد أن نختلف حول اسم المتهم بل حين نمتلك الشجاعة لفتح ملفات الأداء والقيادة والتنظيم والتمويل والتمثيل السياسي وعلاقة المركز بالقواعد ونضع لكل سؤال إجابة موثقة ولكل إخفاق مسؤولية محددة ولكل قرار مهلة للتنفيذ والمراجعة
إن ذكرى التأسيس ينبغي أن تكون موعدا لتجديد العهد مع المبادئ لا مناسبة للوقوف أمام مرآة الماضي
فإما أن تكون المؤتمرات الحزبية بوابة للتجديد والمحاسبة والتداول الديمقراطي وإما أن يبقى السؤال مفتوحا أمام كل قيادة وكل عضو وكل من يهمه مصير هذا الحزب
نحن لا نكتب لنطعن في تاريخ الاشتراكي اليمني بل نكتب لأن التاريخ أكبر من أن يختزل في أسماء ولأن التضحيات أمانة لا يجوز التفريط بها ولأن الحزب الذي صنعه المناضلون لا يحق لأحد أن يتعامل معه وكأنه إرث شخصي
يا ياسين
إن الوفاء الحقيقي للحزب ليس في الدفاع عن كل ما فعلته القيادات بل في الدفاع عن حق الأعضاء في السؤال والنقد والمحاسبة والتغيير عبر النظام الداخلي
فمن قتل الحزب؟
ومن يتحمل مسؤولية تراجع حضوره؟
وهل كان المؤتمر الحزبي أداة لإنقاذه أم أن مخرجاته لم تكن كافية لإعادة بناء مؤسساته واستعادة ثقة قواعده؟
أسئلة نضعها أمام التاريخ وأمام أعضاء الحزب وقياداته لا طلبا لتصفية الحسابات بل دعوة إلى مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للمؤسسة وتضع مصلحة الحزب فوق مصالح الأفراد
فالحزب لا يموت حين يخسر موقعا سياسيا ولا حين يختلف أعضاؤه في الرأي ولكنه يدخل دائرة الخطر حين يفقد القدرة على النقد والتجديد والمحاسبة
وإذا كان الاشتراكي اليمني يريد أن يحتفل بذكرى تأسيسه كما يليق بتاريخه فعليه أولا أن يجيب بصدق عن سؤال قواعده: ماذا بقي من روح الحزب في مؤسساته ومتى يستعيد الحزب صوته وقراره ودوره بين الناس؟

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى