يوم الحداد في ليبيا .. ذاكرة شعب لم ينس احتلالا دام 32 عاما

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
حين يستيقظ الليبيون صباح السادس والعشرين من أكتوبر من كل عام لا يستيقظون على عطلة رسمية عابرة بل يستيقظون على ذاكرة جرح وطني لم يلتئم منذ أكثر من مائة عام فهذا اليوم اتخذته الذاكرة الوطنية الليبية رمزا ليوم الحداد الوطني وهو اليوم الذي اكتملت فيه أولى موجات الغزو الإيطالي وتحولت فيه ليبيا من ولايتين عثمانيتين هما طرابلس الغرب وبرقة إلى مشروع مستعمرة أطلق عليها الرومانيون قديما اسم ليبيا وأعاد الإيطاليون إحياءه ليقولوا إنها الأرض الرابعة إيطاليا.
والحقيقة التاريخية أن الحرب الإيطالية العثمانية بدأت بإعلان إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية يوم التاسع والعشرين من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وأحد عشر ونزلت قواتها في طرابلس يوم الثالث من أكتوبر وسقطت المدينة يوم الخامس من أكتوبر ثم وقعت مجزرة المنشية وشارع الشط يوم التاسع عشر من أكتوبر حين قتل الجنود الإيطاليون أكثر من أربعة آلاف مدني ليبي في يوم واحد انتقاما لمقاومة الأهالي وفي السادس والعشرين من أكتوبر كان الاحتلال قد أحكم سيطرته على الساحل وبدأ الزحف نحو الداخل ولذلك اعتمد هذا التاريخ لاحقا بعد الاستقلال عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين كيوم رمزي للحداد على بداية الكارثة.
في روما كان رئيس الوزراء جيوفاني جوليتي يحلم بأن يجعل إيطاليا إمبراطورية مثل بريطانيا وفرنسا وكانت الصحف القومية تصرخ كل يوم أعيدوا لنا بحرنا وأرضنا الرابعة ويقصدون طرابلس وفي إسطنبول كانت الدولة العثمانية تحتضر وتعجز عن حماية ولاياتها البعيدة فأرسلت إيطاليا إنذارا للسلطان محمد رشاد الخامس يطلب تسليم طرابلس خلال أربع وعشرين ساعة ولم تنتظر انتهاء المهلة بل بدأت مدافع أسطولها تدك قلعة السرايا الحمراء في طرابلس وقلعة بنغازي ودرنة وطبرق وفي الصباح نزلت قوات المشاة بقبعاتها الريشية ورفعت العلم الإيطالي المثلث الألوان فوق السرايا الحمراء.
ظن الإيطاليون أنهم في نزهة وأن الليبيين سيستقبلونهم بالورود لكن الذي حدث كان مقاومة شعبية شاملة لم تهدأ فيها البندقية يوما واحدا لمدة اثنين وثلاثين عاما من ألف وتسعمائة وأحد عشر حتى دخول الجيش الثامن البريطاني القادم من مصر إلى طرابلس في الثالث والعشرين من يناير عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين.
في البداية قاد المقاومة ضباط عثمانيون أرسلتهم إسطنبول سرا وعلى رأسهم أنور باشا ومصطفى كمال الذي سيصبح فيما بعد مصطفى كمال أتاتورك لكن بعد توقيع معاهدة أوشي لوزان الأولى في الثامن عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة واثني عشر التي تخلت فيها الدولة العثمانية رسميا عن طرابلس وبرقة لإيطاليا انسحب الضباط الأتراك وبقي الليبيون وحدهم أمام آلة الحرب الإيطالية.
وهنا ظهر جيل من الرجال خلدهم التاريخ ففي جبل نفوسة قاد سليمان باشا الباروني المجاهدون الأمازيغ وفي الصحراء الشرقية قاد أحمد الشريف السنوسي وصفي الدين السنوسي الزوايا السنوسية وفي الجبل الأخضر ظهر معلم القرآن الذي كان يبلغ من العمر ثلاثا وخمسين سنة ولا يعرف أحد أنه سيصبح أشهر مقاوم في القرن العشرين وهو عمر المختار.
لم تستطع إيطاليا طوال عشر سنوات أن تتجاوز المدن الساحلية طرابلس وبنغازي ومصراتة والخمس وكانت قوافلها العسكرية تتعرض للكمائن كل يوم وفي روما بعد وصول بنيتو موسوليني إلى الحكم عام ألف وتسعمائة واثنين وعشرين قرر أن ينهي ما سماه المهزلة الليبية بأي ثمن فعين جنرالا عرف بقسوته اسمه رودولفو غراتسياني الذي سيطلق عليه الليبيون فيما بعد جزار فزان وأمره بإعادة احتلال ليبيا بيتا بيتا.
وهنا بدأت أبشع صفحة في تاريخ الاستعمار الإيطالي وهي صفحة التهجير والمنافي والمعتقلات وتنقسم إلى مرحلتين موثقتين في الأرشيفين الليبي والإيطالي.
المرحلة الأولى هي المنافي البحرية فمنذ أكتوبر ألف وتسعمائة وحد عشر حتى عام ألف وتسعمائة واثني عشر جمعت السلطات الإيطالية آلاف الليبيين من طرابلس وبرقة ونفتهم إلى جزر إيطالية نائية في قلب البحر المتوسط مثل أوستيكا وبونزا وفافينييانا وفينتوتني وترمتي وتشير الوثائق الليبية التي جمعها المؤرخ يوسف البرغثي إلى أن عددهم تجاوز ستة آلاف منفي بينما يذكر الأرشيف الإيطالي في وزارة الداخلية أن عدد المنفيين المسجلين رسميا بلغ أربعة آلاف وستمائة وثمانية وثلاثين منفيا والروايات الشفهية لعائلات المنفيين تقول إن المئات ماتوا في تلك الجزر من البرد والسل والجوع ودفنوا في مقابر جماعية لا تزال شاهدة حتى اليوم في أوستيكا حيث توجد لوحة رخامية كتب عليها هنا يرقد مسلمون من ليبيا ماتوا في المنفى.
أما المرحلة الثانية وهي الأكبر والأكثر إيلاما فهي معسكرات الاعتقال الجماعي في برقة ففي السادس عشر من يونيو عام ألف وتسعمائة وثلاثين أصدر غراتسياني أمره الشهير بإخلاء كامل منطقة الجبل الأخضر وبرقة الوسطى وهي مساحة تقدر بمساحة دولة بلجيكا ونقل جميع سكانها من الرجال والنساء والأطفال مع مواشيهم وخيامهم إلى ستة عشر معسكرا محاطا بالأسلاك الشائكة في صحراء سرت أشهرها معسكرات العقيلة وسلوق والبريقة والمقرون والعقيلة الجديدة والبريقة الجديدة.
وتشير الوثائق العسكرية الإيطالية نفسها المحفوظة في الأرشيف الحربي في روما تحت عنوان تعداد معسكرات برقة إلى أن عدد المعتقلين بلغ مائة ألف ومائة وثمانية وستين معتقلا في ذروة الاعتقال عام ألف وتسعمائة وثلاثين.
كانت المعسكرات عبارة عن أرض صحراوية مكشوفة بلا خيام في البداية وبلا ماء نظيف ولا مستشفيات وكان الجنود يعطون كل عائلة حصة قليلة من الخبز اليابس والماء المالح مرة واحدة في اليوم فانتشرت أمراض التيفوئيد والسل والعمى الليلي وحسب تقرير الطبيب العسكري الإيطالي الدكتور تورو الذي زار المعسكرات عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين فإن نسبة الوفيات في معسكر العقيلة وحده بلغت أكثر من خمسة عشر بالمائة في أقل من عام.
وتختلف التقديرات حول عدد الوفيات فالتقرير الرسمي الإيطالي لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين يعترف بوفاة أكثر من أربعين ألف معتقل داخل الأسلاك بينما يقدر المؤرخون الليبيون وعلى رأسهم يوسف البرغثي الذي أمضى عشرين سنة يجمع أسماء الشهداء أن عدد الذين ماتوا في المعسكرات والمنافي والمواجهات المباشرة من ألف وتسعمائة وحد عشر إلى ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين تجاوز مائة وأربعة عشر ألف إنسان من شعب كان تعداده حسب الإحصاء العثماني الأخير عام ألف وتسعمائة وحد عشر لا يتجاوز ثمانمائة ألف نسمة أي أن إيطاليا قتلت حسب هذه التقديرات واحدا من كل سبعة ليبيين وهي نسبة لم تحدث في أي استعمار أوروبي آخر في شمال أفريقيا إلا في الجزائر.
وفي نفس الفترة استخدم الجيش الإيطالي ولأول مرة في تاريخ الحروب الاستعمارية سلاح الطيران لقصف المدنيين واستخدم غاز الفوسجين السام ضد المجاهدين وضد الآبار والمواشي لكي تموت الأرض نفسها وهو ما وثقه تقرير عصبة الأمم عام ألف وتسعمائة وثلاثين.
وفي قلب هذه المعسكرات ولدت أسطورة عمر المختار فبينما كان عمره اثنين وسبعين عاما ظل يقاتل على حصانه ويهاجم المعسكرات لإنقاذ النساء والأطفال وفي الحادي عشر من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين جرح حصانه في معركة وادي بوطاقة قرب سلوق فسقط أسيرا ونقل إلى بنغازي ثم إلى سلوق وحوكم أمام محكمة عسكرية استثنائية إيطالية استمرت يوما واحدا فقط يوم الخامس عشر من سبتمبر وصدر الحكم بالإعدام شنقا ونفذ الحكم فجر السادس عشر من سبتمبر أمام أنظار أكثر من عشرين ألف معتقل جيء بهم قسرا ليشهدوا الإعدام لكي يكون عبرة وقال كلمته الأخيرة التي حفظها الليبيون نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت.
بعد إعدام عمر المختار اعتقدت روما أن المقاومة انتهت لكن فلول المجاهدين استمرت في القتال المتقطع حتى دخول الجيش البريطاني عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين وبذلك انتهى احتلال دام اثنين وثلاثين عاما.
بعد استقلال ليبيا عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين أصدرت المملكة الليبية قانون الأعياد الوطنية وجعلت من السادس والعشرين من أكتوبر يوم حداد وطني رسمي تتوقف فيه الإذاعات عن بث الأغاني وتقرأ آيات من القرآن على أرواح الشهداء وتقام في طرابلس وبنغازي ودرنة معارض صور المنافي والمعتقلات.
وفي عهد الملك إدريس السنوسي الذي كان نفسه مجاهدا ضد إيطاليا كان الاحتفال صامتا يزور فيه الملك مقبرة الشهداء في بنغازي ويقرأ الفاتحة وينصرف.
أما في عهد معمر القذافي فقد تحول اليوم إلى مهرجان سياسي كبير فكان يجمع أبناء المجاهدين في خيمة في سرت ويستدعي السفير الإيطالي ليسمع شهاداتهم وكان يقول نحن لا نريد مالا بل نريد اعترافا بأنكم أبتم شعبا.
وهذا الاعتراف لم يأت إلا بعد مائة عام تقريبا ففي الثلاثين من أغسطس عام ألفين وثمانية وقع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني والزعيم الليبي معمر القذافي في بنغازي معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين البلدين ونصت المعاهدة على اعتذار إيطاليا الرسمي عن الحقبة الاستعمارية المؤلمة وتعهدها ببناء طريق سريع يربط بين مساعد على الحدود المصرية ورأس جدير على الحدود التونسية بطول ألف وسبعمائة كيلومتر كرمز للاعتذار وبقيمة خمسة مليارات دولار تدفع على مدى عشرين سنة من الضرائب المفروضة على شركات النفط الإيطالية العاملة في ليبيا وكان بجانب برلسكوني في تلك الخيمة ابن عمر المختار الوحيد محمد عمر المختار الذي كان يبلغ من العمر تسعا وثمانين سنة.
لكن الطريق لم يكتمل حتى اليوم بسبب الحرب الأهلية الليبية التي اندلعت في أكتوبر عام ألف وتسعمائة وأحد عشر أيضا بعد مائة عام بالضبط من الغزو الأول وكأن التاريخ يعيد نفسه في نفس الشهر.
ولذلك فإن يوم الحداد في ليبيا ليس مجرد ذكرى بكاء بل هو يوم قسم وطني يقسم فيه الليبيون أمام مقبرة العقيلة الجماعية وأمام حبل مشنقة عمر المختار المحفوظ في متحف سلوق أن لا يسمحوا لأي محتل جديد سواء كان أجنبيا أو محليا أن يعيد الشعب الليبي وراء الأسلاك الشائكة مرة أخرى وأن ليبيا التي دفعت حسب أقل التقديرات أربعين ألفا وحسب أعلى التقديرات مائة وأربعة عشر ألف شهيد لن تقبل أن يموت أبناؤها اليوم جوعا أو غرقا في قوارب الهجرة في البحر المتوسط.
وهذه هي القصة الكاملة ليوم السادس والعشرين من أكتوبر في ليبيا يوم اتخذ رمزا لبداية احتلال دام اثنين وثلاثين عاما ويوم لا يزال الليبيون يقرأون فيه الفاتحة على أرواح من ماتوا في أوستيكا وبونزا والعقيلة وسلوق لأن من لا يتذكر العقيلة لا يستحق أن يعيش في ليبيا الحرة.







