كيف حاولت الرياض حل المجلس الانتقالي الجنوبي فأنتجت أكبر تناقضٍ سياسي في تاريخ قضية شعب الجنوب.

كتب/ : د. أمين العلياني
من خلال القراءة التحليلية العميقة واستنباط الأبعاد السياسية لقرار حل المجلس الانتقالي الذي جاء تحت ضغط سعودي أجبر الوفد تحت التهديد إلى قراءته وعند العودة إلى بنية بيان الحل يمكن تناوله على وفق المنهجية التفكيكية وكشف التناقضات التي حملها البيان دون الاكتراث إلى العواقب التي تترتب على قرارات تفرض بقوة السلاح والتهديد لوفد جاء بهدف مناقشة مستجدات ما آلت إليه الأوضاع السياسية بين المملكة والمجلس الانتقالي غير أن الوفد فوجئ بضغوطات وتهديدات سعودية وتعرض لابتزازات قاهرة كشف عنها بيان الحل الصادر عنهم بالقوة من جهة والتصريحات الصادرة عن بعضهم برفض فكرة هذا الحل غير القانوني من جهة أخرى.
ويمكن تناول هذه التناقضات على وفق رؤية منهجية تقوم على إجراءات الفلسفة والخلفيات التكفيكية وذلك من خلال الآتي :
أولاً: البنية المنهجية لبيان الحل — من المضمون إلى الشرعية الإجرائية، ويُجسّد هذا المقال نقلاتٍ منهجيةٍ بالغة الذكاء، إذ ينتقل من سؤال ماذا قرّر بيان الحل المحمي بالتهديد السعودي؟ إلى سؤال هل صدر البيان أصلًا بصورةٍ صحيحة؟ اي من الناحية القانونية والشرعية الدستورية والتفويض الشعبي. وبعد فهم هذا الانتقال يصبح مقالنا هذا ليس ترفًا أكاديميًّا، بل هو قلبٌ لمعادلة الصراع: فبدلًا من مناقشة تبعات القرار (حلّ المجلس)، نجعل المقال أن يخضع القرار نفسه لاختبار الشرعية الإجرائية، مما يُفرغه من أي أثرٍ قانونيٍّ أو سياسيٍّ. وهو بذلك يُعيد تعريف الحدث من قرارٍ قانوني إلى وثيقةٍ صادرةٍ تحت الإكراه — وهو تحويلٌ جوهريٌّ في طبيعة الصراع.
ثانياً: الأبعاد السياسية — أربعة مستوياتٍ متشابكة وهي:
١. البُعد السعودي: من الراعي إلى الطرف المُكرِه ونكشف في هذا المقال تناقضًا بنيويًّا في السياسة السعودية: فالرياض التي تُقدَّم في البيان كراعيةٍ للمؤتمر الجنوبي الشامل، هي نفسها التي — بحسب شهادات أعضاء هيئة الرئاسة أنفسهم — مارست الإكراه والتهديد والاحتجاز. وهذا يُنتج مفارقةً حادة: كيف تكون الرعاية أداةَ وصايةٍ لا إطارَ حوار؟ إنّ استدعاء وفد المجلس إلى الرياض ثم إجباره على قراءة بيان الحلّ يكشف أنّ الرياض لم تتعامل مع المجلس كطرفٍ سياسيٍّ ذي إرادة، بل كأداةٍ يُعاد تشكيلها وفق حساباتٍ إقليميةٍ أوسع — ربما في سياق ترتيباتٍ مع تسوية تخدم الحوثي والقوى اليمنية المختلفة معه أو في إطار إعادة هندسة المشهد اليمني بعد العمليات العسكرية في حضرموت والمهرة.
٢. البُعد الرسمي للمجلس الانتقالي:
فاللافت أنّ المتحدث الرسمي أنور التميمي كان عبره صوت المجلس الانتقالي الرسمي يحمل رواية نفى الحلّ ويصف أن الوفد مُحتجز في الرياض، تاركًا الرياض تتحمّل تبعات الإكراه، بينما ظلّ خط النفي مفتوحًا لقيادات جنوبية حتى من أصحاب الوفد نفسه. وهذا يشير إلى أنّ الأزمة مع الانتقالي كانت سعوديةً خالصة.
٣. البُعد الجنوبي الداخلي: شرخٌ في الشرعية التمثيلية، فأخطر ما يكشفه المقال هو أنّ الغاية من بيان الحل كان هادفًا إلى تعميق الانقسام داخل وحدة الصف الجنوبي المؤمن باستعادة الدولة: ففي الوقت الذي قرأ فيه الصبيحي بيان الحلّ، كان التميمي ينفي، وابن بريك يُصرّح بالإكراه، والشيخ راجح باكريت يكشف التهديد. وكل هذه الأصوات المتعددة من داخل المجلس نفسه تُحوّل بيان الحل المزعوم من قرارٍ مؤسسيٍّ إلى حدثٍ سياسيٍّ لا يُلزم أحدًا. والأخطر أنّ المقال يُشير إلى أنّ الحوار المزمع ليس حوارًا بين أطرافٍ متساوية، بل إعادة تشكيلٍ للمشهد من خارج معادلة القوى القائمة على الأرض — أي أنّ الهدف الحقيقي ليس الحوار، بل هندسة أطرافٍ جديدةٍ تُناسب حساباتٍ إقليمية.
٤. البُعد القانوني/الإجرائي: انهيار ثلاثة شروطٍ للحلّ، ويُحدّد المقال ثلاثة شروطٍ لصحة الحلّ: (أ) صدور القرار عن الجهة المختصة وفق النظام الأساسي، (ب) توافر النصاب والإجراءات، (ج) إرادة حرة غير مُقيّدة. وبحسب شهادات أعضاء هيئة الرئاسة أنفسهم، لم يتحقق أيٌّ من هذه الشروط. وهذا يُنتج نتيجةً قانونيةً حاسمة، وهي أن بيان الحل لم يُنهِ المجلس الانتقالي مؤسسيًّا، بل انتهى هو بيان الحل نفسه كوثيقةٍ قابلةٍ للاحتجاج بها.
وهناك حلقات مفقودة في البناء المنطقي لبيان الحل وتتمثل في الآتي:
الحلقة الأولى: نفي وفد المجلس المسؤولية والعلم من دخول القوات الجنوبية إلى حضرموت والمهرة ثم حمّلته الرياض نتائجها بتبني بيان الحل ليصبح كل قيادي بالمجلس يجب أن يتحمل تبعات الحل من الفرد إلى المجلس كمؤسسة سياسية وتنظيمية معبرة عن تطلعات الشعب.
· يقرّ بيان الحل بأنّ الموقّعين لم يشاركوا في قرار العملية العسكرية في حضرموت والمهرة، لكنه في الوقت ذاته يُحمّلهم نتائج ذلك القرار بحلّ المجلس بكامله.
· المنطق المؤسسي كان يقتضي محاسبة من اتخذ القرار، لا إنهاء الإطار الذي يضمّ من لم يتخذه.
· هذا الانتقال من نفي المسؤولية الفردية إلى تحميل المسؤولية المؤسسية الجماعية يكشف أنّ الحلّ لم يكن عقوبةً على خطأ، بل ترتيبًا سياسيًّا خارج منطق المساءلة.
· المفارقة: كيف يحلّ وفدٌ يحظى بتفويضٍ شعبيٍّ ويمثل مشروع الشعب التحرري المجلسَ بسبب قرارٍ يُقرّ في بيانه بأنه لم يصدر عنه؟
· النتيجة: شرخٌ في البنية المنطقية لبيان الحل، يجعل النتيجة غير متفرعةٍ عن مقدماتها، ويُفقده قوته الاستدلالية من داخله.
الحلقة الثانية: التناقض بين خطاب قرب إعلان الدولة وخطاب الحل وذلك من خلال:
· خلال ديسمبر 2025، كانت قياداتٌ عليا في المجلس تتحدث عن اقتراب إعلان الدولة، وبعد أسابيع فقط يُعلن حلّ المجلس نفسه وتقول انها لا تعلم يحدث دخول القوات إلى حضرموت والمهرة.
· هذا التحول الدراماتيكي لا يمكن تفسيره بمراجعةٍ داخليةٍ هادئة، بل يشير إلى أنّ خطاب إعلان الدولة كان معروفًا لدى القيادة العليا والمتوسطة، وأنّ الحلّ جاء نتيجة ضغطٍ سعوديٍّ غيّر الآراء وجعلهم يتنكرون لذلك العلم.
· اللافت أنّ التهديد والإكراه لم يُذكرا في البيان إلا بعد أن خرج الشيخ راجح باكريت وأعلن هذه الحقيقة — أي أنّ الاعتراف بالإكراه جاء من خارج نص البيان نفسه.
· في الحالتين، لا يقدّم بيان الحل تفسيرًا مقنعًا للانتقال من ذروة الخطاب السيادي إلى قاع إعلان الحل، مما يترك فراغًا لا يسدّه إلا التسليم بوجود قوةٍ خارجيةٍ فرضت التحول.
الحلقة الثالثة: الدعوة إلى حوارٍ شاملٍ مع حلّ الطرف الرئيس قبل الحوار
· يدعو البيان إلى مؤتمرٍ جنوبيٍّ شامل، لكنه يشترط حلّ المجلس أولًا — أي إلغاء أحد أطراف الحوار قبل جلوسه إلى الطاولة.
· الحوارات الوطنية عادةً لا تبدأ بإلغاء أحد أطرافها، ولاسيما الطرف الأكبر حضورًا وقوةً وتأييدًا شعبيًّا.
· إذا كان المجلس الانتقالي طرفًا في قضية شعب الجنوب، فلماذا يُلغى قبل أن يُدعى إلى الحوار؟
· هذا يشير إلى أنّ الحوار المزمع ليس حوارًا بين أطرافٍ متساوية، بل إعادة تشكيلٍ للمشهد من خارج معادلة القوى القائمة.
· النتيجة: البيان لا يمهّد لحوارٍ، بل لمسارٍ يُعاد فيه تعريف الأطراف نفسها — وهو ما يناقض جوهر الحوار الذي يُفترض أن يكون أداةً لا وصايةً.
الحلقة الرابعة: الإرادة الحرة مقابل الرعاية السعودية — الرعاية أم الوصاية؟ وتتكشف هذه الرؤية من خلال:
· كرّر البيان مفردات الإرادة الحرة، لكنه ربط المرحلة التالية بالكامل برعاية المملكة العربية السعودية.
· الرعاية التي تُفرض على طرفٍ أُجبر على حلّ نفسه ليست رعاية، بل وصاية.
· هذا ينقل السؤال من ما الذي قرّره الجنوبيون؟ إلى “طمن قرّر عنهم؟ — والفرق بين السؤالين ليس لفظيًّا، بل هو الفرق بين الشرعية والوصاية، وبين الإرادة والإنابة، وبين القرار والسياسة المفروضة.
· النتيجة: البيان لم يستمدّ مشروعيته من كونه تعبيرًا عن إرادة الشعب، فإذا انهارت هذه الإرادة انهارت مشروعيته معها.
وهذه الحلقات مجتمعةً تُكوّن دليلًا مركّبًا على أنّ بيان الحل لم يكن قرارًا مؤسسيًّا نافذًا، بل حدثًا سياسيًّا في سياق صراعٍ إقليمي — والفرق بين الأمرين جوهري: فالقرار المؤسسي يُنتج آثاره القانونية بمجرد صدوره، أما الحدث السياسي فيبقى رهينًا بموازين القوى التي أنتجته.
رابعاً: المفارقة الكبرى — أن بيان حل المجلس لم يعلن عن شهادة وفاةٍ بل اعترف انها شهادة ميلاد له وقوة وجوده.
وأعمق ما في هذا المقال هو الاستنتاج النهائي: بيانٌ أُريد له أن يكون شهادة وفاةٍ، تحوّل إلى شهادة ميلادٍ جديدةٍ للسؤال الجنوبي. وهذا يُجسّد مفارقةً سياسيةً كلاسيكية: محاولة إنهاء قضيةٍ شعب بالقوة تُنتج تعبئةً مضادةً. فإذا كان البيان قد صدر تحت الإكراه، وإذا كانت الشرعية الإجرائية منهارة، وإذا كانت الإرادة الحرة منتفية — فإنّ السؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس هل حُلّ المجلس؟ بل من يملك حق تقرير مصير قضية شعب الجنوب؟ — وهو سؤالٌ لا يُجيب عنه بيانٌ يُقرأ على شاشة.
خلاصة الأبعاد السياسية
1. الأزمة لم تكن داخل المجلس الانتقالي، بل أزمة في العلاقة بين الرياض والمجلس — تحوّلت من رعايةٍ إلى وصاية.
2. بيان حل المجلس الانتقالي الذي رعته وخطط له وفرضته اكراهًا وتهديدًا كشف هشاشة الشرعية الإجرائية في التعامل الإقليمي مع قضية شعب الجنوب، وأظهر أنّ القرارات الكبرى لا تُصنع كي تحترم إرادة الداخل،بل تصنع وفق مصالح الوصاية التي تريد تفرض الحل وتلغي من تشاء ط.
3. التناقض بين الرياض وقيادات المجلس الانتقالي الصامدة بالبيان (الإكراه في الرياض، النفي من القيادات الجنوبية بالداخل يُشير إلى أنّ قضية شعب الجنوب باتت ساحةً لتسوياتٍ إقليميةٍ أوسع.
4. المفارقة الكبرى: محاولة إنهاء المجلس الانتقالي بالقوة أنتجت تعبئةً مضادةً (مليونية الوفاء والصمود، مليونية رفض الوصاية والاحتلال، مليونية تحديد التفويض)، وأعادت إنتاج السؤال الجنوبي بقوةٍ أكبر — وهو ما يجعل بيان الحل نفسه دليلًا على فشل سياسة الإكراه التي مارستها الرياض على وفد المجلس.
5. السؤال المفتوح: من يملك حق تقرير مصير شعب الجنوب؟ — سؤالٌ يبقى معلقًا، لأنّ الإجابة عنه لا تُكتب في بيانٍ يُقرأ تحت الإكراه.



