بمناسبة الذكرى (13) لرحيل الصديق الغالي المهندس حيدره عمر صالح البدوي، لروحه السلام والرحمة والمغفرة

حقاً لقد آلمنا رحيلك يا ابن (البدوي

بقلم: د/سعودي علي عبيد

غادرنا إلى الحياة الآخرة في يوم السبت الموافق الثامن من يناير 2013م، العزيز المهندس حيدره عمر صالح (البدوي) الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته، الغالي علينا وعلى الكثيرين من الساكنين في المناطق الواقعة داخل مثلث (يرامس – شقرة – الكود). وهذا الموقع الخاص والمتميز للفقيد في قلوب هؤلاء، يعود إلى عاملين: خاص وعام. أما الخاص، فله علاقة بمجموعة السمات والخصائص المتوافرة في الرجل. وأما العام، فله علاقة بالوظيفة العامة، التي شغلها الفقيد حتى وفاته – كمدير لمؤسسة الكهرباء في أبين – وبما قدم من خدمات إيجابية، استفاد منها مجتمع المناطق المذكورة، بل ومناطق أخرى مثل مودية ولودر ويافع، وغيرها. وسنتحدث عن هذين العاملين لاحقاً.
* كانت معرفتي الحقيقية بالفقيد العزيز حيدره عمر صالح (البدوي) بعيد الخامس من فبراير عام 1975م، أما كيف ولماذا وأين؟ وغيرها من الأسئلة الأخرى، فسنؤجلها لبعض الوقت، حتى نتمكن من إعطاء بعض المعلومات، ذات العلاقة بالموضوع الذي نحن بصدده.
مرَّ الوضع السياسي في الجنوب منذ ما بعد الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م، بعدة مراحل. وكلُّ متناول أو متتبع لتلك الفترة المذكورة، سيتناولها بطريقة تختلف عن غيره، وهذا له علاقة بمجموعة من العوامل أو الأسباب، منها على سبيل المثال لا الحصر: علاقة هذا الشخص أو ذاك، ببعض أو كل أحداث تلك الفترة. ومنها درجة الاقتراب، أو ملامسة هذا الشخص أو ذاك من بعض أو كل تلك الأحداث. ومنها الطريقة المنهجية التي، يستخدمها هذا الشخص في تناوله لتلك الأحداث. ومنها درجة الموضوعية المتوافرة عند الشخص الذي يريد أن يتناول تلك الفترة وأحداثها، ومنها – وهو الأهم بالنسبة لي – هل استطاع هذا الشخص، أن يقف وقفة نقدية صحيحة من مجمل تلك الأحداث الخاصة بالفترة المذكورة؟ ومن ثم ما هو موقفه الجديد من تلك الأحداث؟ بل والأحداث الجديدة والمتجددة؟
ومع أهمية ومشروعية هذه الأسئلة، إلا إن كانب هذا الموضوع لا يهدف من طرحها وضع إجابات عن كل سؤال منها، ولكن الهدف هو خلق حالة من الحراك الفكري عند المطلعين والمهتمين، بحيث لا نكتفي في الكتابة عن أعزاءنا أن نعدد مناقبهم الفاضلة – التي نفتخر بها – بل ونحاول أن نلامس معاناتهم التي كانوا يشكون منها. وفقيدتا المهندس حيدره عمر صالح (البدوي)، واحد من أولئك الذين عانوا، وإن بطريقة قد لا يعرفها إلا من تعرَّف على هذا الإنسان الرائع حيدره عمر صالح (البدوي).
ولأننا لسنا هنا بصدد كتابة بحث علمي، أو حتى موضوع مخصص لتلك الفترة المذكورة (أواخر 1967م – فبراير 1975م)، لذا سنكتفي برصد أهم محطات تلك الفترة:
1- كانت مرحلة تشكلت فيها الهوية الوطنية الجنوبية، برغم ما اعترى ذلك من إشكالية، لسنا بصدد الحديث عنها في هذا الموضوع.
2- كانت مرحلة تخللتها الكثيرُ من الإنجازات الرائعة، وكثيرٌ من الإخفاقات المريعة.
3- يمكن القول إلى حدٍّ بعيد، إن الفئات الاجتماعية، التي كانت مهمشة في مرحلة ما قبل الاستقلال الوطني، قد حصلتْ على بعض المكاسب، وإن كانت بعض تلك المكاسب لم تكن مقننة بشكل تام، مما أدى إلى ضياع تلك المكاسب عند أول منعطف أو تحول سياسي. ومن لم يفهم هذه الفكرة، فإن ما نقصده هي؛ فئات الفلاحين والعمال الزراعيين والتعاونيات الخدماتية والاستهلاكية، الذين خسروا كل ما حصلوا عليه في دولة الاستقلال، وذلك بسبب الوحدة الاندماجية في 22 مايو 1990م.
4- وبدون مصادرة أو إنكار حق أي شخص في اختياره للفكر والانتماء السياسي الذي يرغب فيه، إلا أن المسألة تختلف في البلدان والمجتمعات المتخلفة، وبالذات التي تحكم من أنظمة شمولية، بكل ما يتجلى فيها من ظلم وقسوة على تلك الأحزاب والأشخاص، الذين يتم تصنيفهم كـ(أعداء) لهذا النظام الشمولي أو ذاك.
ومن المؤكد أن النظام السياسي في تلك الفترة المذكورة، لم يكن خارج هذا التوصيف، باعتباره نظاماً شمولياً. إذ تجلَّى في سيطرة الحزب الواحد المتمثل في “التنظيم السياسي للجبهة القومية”، الذي استلم الاستقلال الوطني من الحكومة البريطانية في 30 نوفمبر عام 1967م.
لقد كانت هذه المقدمة البسيطة، ضرورية للولوج إلى الفكرة الرئيسية المرتبطة بموضوعنا هذا، وخاصة بفقيدنا العزيز حيدره عمر صالح البدوي.
ومن حيث علاقة المجتمع – بفئاته المختلفة – بالنظام السياسي أو بالسلطة الحاكمة في الفترة المذكورة، فمن الممكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: هي الفئة المرتبطة بالسلطة – أو بالنظام السياسي – الحاكمة، وهي التنظيم السياسي الجبهة القومية ومؤسساتها التابعة لها مركزيا، وعلى مستوى المحافظات وما دونها: الحكومة ومؤسساتها، والمنظمات الجماهيرية، والمستويات العليا في المؤسسات العسكرية والأمنية، وغيرها من المؤسسات الأخرى.
وهذا القسم يتوزع على فئتين: فئة ارتبطت بتنظيم الجبهة القومية منذ مرحلة ما قبل الاستقلال الوطني، أي في مرحلة الكفاح المسلح، وهذه الفئة – وخاصة الجزء الذي ألتحق بالجبهة القومية في المراحل الأولى من تأسيسها – له حالته الخاصة به، باعتبار أن أولئك الأشخاص المنتمين إلى هذا الجزء، لم تكن لديهم منافع شخصية يريدوا إشباعها، وذلك لعدم وجود تلك المنافع حينئذ، أي في مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال الوطني. وهذا التوصيف يبقى حقيقياً وصادقاً بالنسبة لهذا الجزء، حتى عشية الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م فقط. بمعنى أن الأمور قد تغيرت كثيراً للبعض، وخاصة أولئك الذين تولوا مسئوليات ومهام في مختلف المؤسسات التي ذكرناها آنفاً بعد الاستقلال.
أما الجزء الآخر من القسم الأول، فخاص بالأشخاص الذين التحقوا بالتنظيم السياسي الجبهة القومية خلال الفترة، التي أعقبت الحصول على الاستقلال الوطني، إذ يمكن تفسير التحاقهم بسببين اثنين: الأول، البحث عن سلامة الرأس في ظل رعونة السلطة، ضد من تعتبرهم مناوئين لها، حيث شكل الحزب الحاكم – الجبهة القومية – مظلة واقية للكثيرين، ممن التحقوا به. أما السبب الآخر، فإن الالتحاق بالتنظيم السياسي الجبهة القومية، كان هو الطريق السالك للحصول على الوظيفة العامة بشكل عام، والوصول إلى المراكز القيادية في الحزب ومؤسسات الدولة والمنظمات الجماهيرية والعسكرية وغيرها، بشكل خاص.
أما القسم الثاني، فهم أولئك الذين يقعون في مرمى النظام السياسي وسلطته الحاكم، أو أولئك الذين اعتبرهم النظام السياسي مناوئين له. وهم أنواع: فهناك أولئك الذين كانوا على علاقة بالوضع السياسي، الذي كان قائماً في الجنوب أثناء الوجود الإنجليزي، أكان في عدن أو مختلف سلطنات ومشيخات الجنوب. وهناك نوع آخر كانوا منخرطين في منظمات مسلحة اشتركت في المقاومة ضد الإنجليز – جبهة التحرير والتنظيم الشعبي، وطلائع حرب التحرير، وغيرهم – فصاروا بلمح البصر، ثورة مضادة ومنبوذين من النظام السياسي الجديد، ومطلوبين للعدالة.
وهناك نوع ثالث، كانوا جزءاً من تنظيم الجبهة القومية، ثم تخلوا عنها أو جرى التخلي عنهم، وذلك في سياق الصراع السياسي والإيديولوجي، أو حتى تضارب المصالح الشخصية داخل أركان النظام السياسي الحاكم. وعلى أساس وضعيتهم هذه، صاروا ثورة مضادة وملاحقين، ومطلوب القبض عليهم ومحاسبتهم.
وهناك نوع رابع، تمثل في مجموعة الأحزاب والتنظيمات السياسية، التي قررت أو استطاعت أن تستمر في نشاطاتها التنظيمية والسياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال. ومن هذه الأحزاب؛ حزب اتحاد الشعب الديمقراطي، الذي كان يترأسه الفقيد عبد الله عبد الرزاق باذيب. وبشكل عام، يمكن القول بأن علاقة هذا التيار السياسي بالنظام السياسي الحاكم، كانت جيدة. ويرجع ذلك إلى علاقة كل من هذا الحزب، وسلطة الجبهة القومية بالاتحاد السوفيتي بشكل خاص، والمنظومة الاشتراكية بشكل عام. ولهذا السبب لم يتعرض هذا الحزب لغضب السلطة، كما هي الحال بالنسبة للتيارات السياسية الأخرى. كما ينتمي إلى هذا النوع، تيار البعث العربي الاشتراكي، وينقسم إلى قسمين. وهو تيار قومي عربي. أما القسم لأول فكان يتبع القيادة القومية في العراق، والآخر كان يتبع القيادة القومية في سوريا. وقد تعرض الاثنان للملاحقات والاعتقالات والاغتيالات خارج القانون، وإنْ بدرجات متفاوتة. وسبب ذلك يعود إلى عدد من العوامل أهمها: أن منظمة البعث (الجناح السوري) قد تبنت في بداية سبعينيات القرن الماضي، الفكر الاشتراكي العلمي (الماركسية اللينينية)، وهو الفكر ذاته الخاص بالتنظيم السياسي الجبهة القومية، إضافة إلى العلاقة القوية التي كانت تربط سوريا بالاتحاد السوفيتي، كما هي الحال في علاقة النظام السياسي في الجنوب بالاتحاد السوفيتي. ثم أعلنت منظمة حزب البعث الاشتراكي (الجناح السوري)، انفصالها عن القيادة القومية في سوريا، كما غيَّرتْ اسمها إلى “حزب الطليعة الشعبية”.
ويمكننا وضع التيار الإسلامي – المتمثل بالإخوان المسلمين – ضمن هذا القسم الرابع. إلا إن هذا التيار الإسلامي، يكاد أن يكون قد تلاشى من الساحة الجنوبية وذلك لسببين: الأول تمثل في الضربات القوية، التي تعرض لها من السلطة وأجهزتها القمعية، والسبب الآخر، هو أن مجتمع الجنوب يتسم بالتسامح الديني، وعدم المغالاة، كما أنه لم يكن ميالاً إلى تسييس الدين، وهي المعضلة ذاتها التي واجهت التيار الشيوعي، الذي كان محدود التأثير، للسبب ذاته، وإن كان بطريقة معكوسة، وهي أن المجتمع لم يكن ميالاً إلى الأفكار الإلحادية.
وختاماً لهذه الجزئية من موضوعنا هذا، يمكننا القول بأنه قد تم تصفية كل من تيار البعث (الجناح العراقي)، والتيار الإسلامي (الإخوان المسلمين) باستخدام الوسائل القمعية والأمنية، ولم يبقى سوى حزب الطليعة الشعبية، وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي، بالإضافة إلى الحزب الحاكم – التنظيم السياسي الجبهة القومية – الذين توحدوا في “التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية”، بعد سلسلة من الحوارات انتهت في الخامس من فبراير عام 1975م. وكان كاتب هذا الموضوع – حينئذ – هو المسئول الأول عن منظمة حزب الطليعة الشعبية في محافظة أبين وعضوا في لجنته المركزية.
أما القسم الثالث والأخير، فيتكون من غالبية المجتمع، الذين كانوا خارج الأقسام الثلاثة المذكورة، أي الذين لم يرتبطوا بالعمل السياسي المنظم، أو ما يمكن أن نطلق عليهم بالفئة الصامتة.
وبعد هذه الإطلالة، وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، أي إلى ما قلناه بصدد ما يمكن أن نطلق عليه بالتوصيف السياسي للمجتمع الجنوبي خلال فترة أواخر 1967-فبراير 1975م، فيمكننا أن نسأل من أي نوع من التقسيمات المذكورة، ينتمي فقيدنا العزيز حيدره عمر صالح البدوي؟
* وباعتبار أن فقيدنا العزيز – كما هو معروف من سيرته الذاتية – قد التحق بحركة القوميين العرب في ستينيات القرن الماضي، لذا فهو يقع ضمن الفئة الأولى من القسم الأول، أي أولئك الذين التحقوا بالجبهة القومية في فترة ما قبل الاستقلال الوطني نوفمبر 1967م. وباعتبار أنه قد أكمل دراسته الجامعية في مصر العربية في عام 1971م في مجال هندسة الكهرباء، ثم في بريطانيا، لذا يمكننا القول بأنه قد تمتع بخاصتين: الأولى، إن انتمائه إلى العمل السياسي في إطار الجبهة القومية، لم يكن بغرض الحصول على منافع شخصية، وذلك بالطبع بسبب خطورة الأوضاع في الفترة التي سبقت الاستقلال الوطني. أما الخاصية الأخرى، فهي أن بقائه في إطار التنظيم السياسي الجبهة القومية – في فترة ما بعد الاستقلال الوطني – لم يكن بغرض الحصول أو المحافظة على منفعة شخصية، ذلك لأن تخصصه العلمي – الذي يعتبر من التخصصات النادرة والمطلوبة حينئذ – لم يكن بحاجه إلى واسطة.
* وكان من المتطلبات الأساسية لعملية توحيد فصائل العمل الوطني الديمقراطي (التنظيم السياسي الجبهة القومية، وحزب الطليعة الشعبية، واتحاد الشعب الديمقراطي) في إطار التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية، هي عملية الترتيبات التنظيمية لقيادات الفصيلين (حزب الطليعة الشعبية، وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي) ضمن المستويات القيادية المختلفة، بدءاً من اللجان القيادية في المنظمات القديمة وانتهاءً باللجنة المركزية ومؤسساتها المتفرعة عنها – المكتب ولجنتي الرقابة والتفتيش المركزيتين.
وباعتبار أنني كنت المسؤول الأول لمنظمة حزب الطليعة الشعبية في محافظة أبين، فقد جرى ترتيب وضعي القيادي في سكرتارية منظمة التنظيم السياسي الموحد في المحافظة كسكرتير للدائرة الاقتصادية، وبالطبع أيضاً عضواً في لجنة المحافظة. وكان الفقيد حيدره عمر صالح (البدوي) عضوا في لجنة المحافظة، بالإضافة إلى كونه عضو لجنة مركزية مرشح في التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية. كما أنضم كذلك إلى لجنة المحافظة بحسب عملية توحيد الفصائل، الشهيد سالم فضل صالح كعضو لجنة محافظة مرشح، ومن حزب اتحاد الشعب الديمقراطي كان الشخصية التعاونية المعروفة الأستاذ محمد عبد الله الصالحي، وهو من مودية. وبذلك فقد كان الخامس من فبراير 1975م، هو زمن معرفتي بالفقيد حيدره عمر صالح، أما المكان فهو لجنة المحافظة.
وكانت لجنة المحافظ – التي كان أعضاؤها يتجاوزون الثلاثين عضواً – تمثل مختلف أطياف محافظ أبين الجهوية، المتمثلة في مديرياتها المختلفة (خنفر، ومودية، ولودر، ومكيراس، ويافع، وأحور، والمحفد، وجيشان، والوضيع، وغيرها).
وبسبب انتقالنا من حالة اتسمت بالنضال شبه السري، وبما تحمله من ثقافة حزبية وسياسية، تختلف تماماً عن الثقافة السياسية والحزبية الخاصة بتنظيم السياسي للجبهة القومية – باعتباره حزباً حاكماً – أضف إلى ذلك التجربة القاسية، التي عشناها كبعثيين قبل عملية التوحيد، والتي تجلت في حالات الاعتقالات والاغتيالات وإشكال شتى من المعاناة. كل ذلك كان له تأثير على عملية الاندماج مع الواقع الجديد، وكنا بحاجه إلى وقت للتغلب عليها.
وبالنسبة لي، فإذا كان يصح ما أسلفت قوله على مجموع أعضاء لجنة المحافظة، إلا أن الفقيد حيدره عمر صالح(البدوي)، كان حالة استثنائية تماماً، إذ كان الشخص الأول الذي استطعت أن أجد معه لغة مشتركة، وأن أخلق معه علاقة إنسانية متينة، ظلت مستمرة على الدوام. وكان أساس ذلك، هي الطبيعة الخاصة التي كان يتسم بها الرجل، التي سنتحدث عنها لاحقاً.
ويمكنني القول جازماً بأن علاقتي بالفقيد، كانت متميزة كثيراً مقارنة بعلاقاتي الأخرى مع بقية أعضاء لجنة المحافظة، أو حتى ببعض الأشخاص الذين كانوا معنا في تيار البعث أو حزب الطليعة. فقد كان كثيراً ما يدعيني لأتناول معه وجبة الغداء في منزله الكائن في جعار، أو لنتناول أعشاب القات، وكثيراً ما كنا نذهب في فترة العصر إلى شقرة أو عدن.
وفضائل الفقيد حيدره عمر صالح على الآخرين كثيرة، وهي تأخذ جانبين: الأول هو الجانب الذي له علاقة بوظيفته، كمسؤول أول على مؤسسة الكهرباء في جعار، وقد تمثلت فضائل الرجل من خلال هذا الجانب على مستويين: الأول تمثل في حماسة الفقيد لتطوير محطة الكهرباء في جعار، وتوسيع خدماتها لتشمل الكثير من المناطق، أكان داخل مديرية خنفر، أو من خلال تحسين أو بناء محطات جديدة، لتوليد الطاقة الكهربائية في العديد من مديريات محافظ أبين مثل؛ لودر ومودية ويافع وأحور وغيرها. وقد انعكس ذلك على عملية الإنتاج في بعض المجالات، كما هي الحال في الزراعة التي استخدمت فيها الطاقة الكهربائية لنزع المياه من الآبار الارتوازية، أو من خلال إمدادات الكهرباء للكثير من الورش.
أما المستوى الآخر، فقد تمثل في تعاون الفقيد مع الكثيرين من المعوزين في تقديم الدعم والتسهيل لهم في إدخال خدمة الكهرباء إلى منازلهم، إما من خلال تخفيض سعر الخدمة، أو إعفائهم كلية من دفع تكاليف إدخال الخدمة إلى منازلهم.
أما الجانب الآخر لفضائل الفقيد، فقد تمثلت هي الأخرى على مستويين: الأول في مساعدة الكثيرين للحصول على دخل مادي، بواسطة توظيفهم في مؤسسة الكهرباء. ومن يرجع إلى حالات التوظيف التي تمت خلال الفترة الزمنية، التي ترأس فيها الفقيد حيدره عمر صالح، إدارة هذه المؤسسة، سيتأكد من هذه الحقيقة الساطعة. أما المستوى الثاني، فقد تجلى في تقديم المساعدات الشخصية، التي قدمها فقيدنا للكثيرين لمن كانوا بحاجة إلى هذه المساعدة.
ومن خلال علاقتي القوية والمتميزة بالفقيد حيدره عمر صالح (البدوي)، أستطيع أن أحدد مجموعة من الخصال النبيلة والرائعة التي اتسم بها فقيدنا:
الأولى: لم يكن الفقيد حيدره عمر صالح (البدوي) مشغولاً كثيراً في السياسة، أكان في جانبها العملي من حيث هي صراع مع الآخرين، الذين يعتبرون مناوئين للجبهة القومية، وهو الطابع العام الذي كانت تتسم به الممارسة السياسية في تلك الفترة. كما أنه لم يكن مشغولاً بالسياسة في جانبها الإيديولوجي. ويبدو لي أن هذه الخصلة أو الصفة، التي اتسم بها فقيدنا لها علاقة بالجانب العملي لتخصصه. إذ تميل التخصصات العلمية البحتة إلى التفكير الهادئ والاقتصاد في الكلام، أي قلة الحديث.
الثانية: كان الفقيد حيدره عمر صالح من أولئك القلائل، الذين يفصلون بين انتماءاتهم والتزاماتهم السياسية من ناحية، وعلاقاتهم الإنسانية والأخلاقية من جانب آخر. وهذا بعكس الكثيرين من قيادات الجبهة القومية في المحافظة، التي لم تكن تسلك هذا السلوك، بل وظلت متمسكة بسلوكها السابق تجاهنا، حتى بعد أن صرنا في حزب سياسي واحد.
الثالثة: كانت علاقاته بالناس وحبه لهم – أكان على المستوى الضيق، أي أولئك المحيطين به، أو على المستوى العام، أي كل أولئك الذين يعرفهم – هو الشيء المقدم لديه على غيرها من الالتزامات. وأجد نفسي هنا بأن أسرد حكاية واقعية، تتجلى فيها مجموعة من الخصال الطيبة لفقيدنا.
فعندما قررتُ الزواج في عام 1977م، كان الفقيد حيدره عمر صالح (البدوي) هو الشخص الوحيد، الذي وقف إلى جانبي وساعدني وقدم لي الدعم، وبالذات فيما يخص توفير أثاث غرفة النوم. ومن أجل إنجاز هذه المسألة دعاني للذهاب معاً إلى عدن. وكانت وجهتنا مصنع المقاول المعروف أحمد الأحمدي (رحمة الله عليه)، وكان يملك مصنعاً لصناعة الأثاث المنزلية في منطقة (الدرين)، ومن ضمنها تصنيع غرف النوم. وجرى الاتفاق بين الفقيد حيدره والمقاول (الأحمدي) الله يرحمهما ويسكنهما جنته.
وقد أبدى (الأحمدي) أسفه واعتذاره فيما يخص لون الفرميكا، باعتبار أن الألوان الموجودة في مصنعه ليست في المستوى المطلوب، وقد تكفل الفقيد (حيدره عمر) بحل هذه المشكلة، إذ عمل على توفير نوع الفرميكا المطلوب. وقد طلب (الأحمدي) فترة زمنية لتجهيز غرفة النوم، وبعد إنجازها، تكفل فقيدنا حيدره عمر صالح بنقل الأثاث من المصنع في عدن إلى منزلي المتواضع في مدينة جعار.
الرابعة: كان الفقيد حيدره عمر صالح (البدوي)، شخصية مرحة باستمرار، ولم نكن نراه متجهماً، وكان لا يحبذ أن يرى أحداً مكفهراً أو متضايقاً. لذا تجده يخترع مزحة أو نكته معينة لبعث البهجة والابتسامة فيك، إذا ما وجدك متضايقاً في لحظة معينة.
الخامسة: كان فقيدنا العزيز عملياً، ومحباً لعمله إلى درجة كبيرة جداً، حيث تجلَّتْ هذه الخاصة من خلال مباشرته الدائمة للعمل باكراً، وملازمته لفرق العمل المكلفة بصيانة شبكة الكهرباء (خطوط الضغط العالي)، أو صيانة وتركيب المولدات والمحولات الكهربائية. وحتى حرب صيف 1994م، يمكننا التأكيد بأن المناطق التي كانت تتمون بالطاقة الكهربائية من المحطة المركزية بجعار، لم تعرف أية أزمة في إمدادها بحاجتها من الطاقة الكهربائية.
السادسة: كان فقيدنا العزيز شديد التواضع، وهو من أولئك الأشخاص الذين لا يتنكرون للواقع الذي أتوا منه، ومن أولئك الذين لا يترفعون عن الآخرين، ومن الذين لا يقلب ظهر المجن لأصحابه مهما كانت الظروف معقدة. وفي هذا السياق، كانت لنا حكاية مع الفقيد.
عندما وصلنا إلى صنعاء في ظروف حدث 13 يناير 1986م، تفرقت بنا أيادي سبأ في كل حدبٍ وصوب. وبينما لم تكن بيننا – كجنوبيين – ذلك التمايز الصارخ في وطننا الجنوب، فقد ظهر هذا التمايز في (الشمال) بشكل صارخ. وبدون أن أدخل في تفاصيل ليس مكانها هنا، فقد جرى ترتيب أوضاع النازحين بطريقة فيها الكثير من التمايز والمحاماة والمناطقية والظلم، وذلك بحسب المراكز القيادية في الحزب والحكومة، والمؤسسات الهامة في الدولة. وقد انعكست هذه الظاهرة سلباً على الكثير من النازحين، مما دفعنا إلى رفع أصواتنا، بل وطالبنا بالسماح لنا بالعودة إلى الجنوب، باعتبار أننا أحرار في اختيارنا إما بالبقاء أو العودة. وكدت أن أدخل المعتقل بسبب ذلك.
وبالعودة إلى موضوعنا، وبعد أن رأينا ذلك الواقع المأساوي، بدأنا نفكر بالاتصال بعناصر قيادية من محافظة أبين لنشكو لهم حالنا السيئ، فلم نجد أحداً منهم فقد تلاشوا فص ملح وذاب، وذلك بعد نهبوا موارد المحافظة وتقاسموها فيما بينهم. ولم نجد أمامنا سوى الفقيد (حيدره عمر)، وبعد أن علمنا أنه في فندق تاج سبأ مع مجموعة من القياديين – لا داعي لذكر أسماءهم – ذهبنا إليه لنضع أمامه المشكلة، على الرغم أن الرجل ليست له علاقة مطلقاً بالموضوع. وقد استقبلنا الفقيد بكل ترحاب كعادته. ووضعنا عليه المشكلة. وصادف أن هناك موعداً مع الفقيد بمعية قيادي آخر من العيار الثقيل، كان متواجداً في الفندق نفسه. فخرجنا من الجناح المخصص للفقيد وصادفنا ذلك القيادي، فرفع صوته على الفقيد وعلينا ووصفنا بالذباب. وكنا مجموعة لا أتذكر منهم سوى صديقي وحبيبي الأستاذ صالح مفتاح عبد الرب (رحمة الله عليه وأسكنه جنته). وقد غضبنا جميعاً، وكان غضب الأستاذ (مفتاح) استثنائياً. وقد أستاء الفقيد حيدره من تصرف ذلك القيادي. وبقية الحكاية معروفة لأولئك الذين اكتووا في تلك المأساة المسماة (أحداث يناير).
* وقد توفى المهندس حيدره عمر صالح البدوي في الهند بعد صراعه مع المرض.
* والمحزن أن أسرته لم تتمكن من نقل جثمانه كي يدفن في بلده، وذلك بسبب ظروفهم المادية الصعبة، وتقاعس الدولة عن القيام بواجبها تجاه الفقيد، بعد كل الذي قدمه من أجل هذا البلد.
الله يرحمك يا فقيدنا وعزيزنا وصديقنا حيدره عمر صالح البدوي، وأسكنك جنته، وألهم أهلك وأصدقاءك الصبر والسلوان، وإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
__________________
* هذا موضوع كنت قد كتبته عن الفقيد(البدوي) عند وفاته، وهو موجود ضمن كتاب التأبين الخاص بالفقيد، وقد أعدت نشره بنوع من التصرف.
* 2026/1/24
* د/ سعودي علي عبيد

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى