معلمات الدرجاج: أمهات صنعن أجيالاً من الفخر

 

كتب /محمد امدوباء بوفون

في زمن مضى، حين كانت مقاعد الدراسة في مدرسة الشهيد عثمان العريقي بجعار تشهد فصول الابتدائية، لم تكن المعلمات مجرد ناقلات للمعرفة، بل كنّ مربيات وأمهات بكل ما تحمله الكلمة من معنى لقد كنّ
أكثر من معلمات؛ كنّ أمهات الدرجاج اللواتي زرعن في نفوسنا بذور العلم والأخلاق. لم تقتصر مهمتهن على التعليم الأكاديمي فحسب، بل امتدت لتشمل التربية والرعاية، فكنّ يعوضننا عن فراق أمهاتنا لساعات طويلة، ويغمرننا بعطفهن وحنانهن، مما جعلنا نتعلق بهن ونحبهن، ونحب التعليم والمواد الدراسية بشغفٍ كبير.
لقد تربت على أيديهن أجيالٌ عديدة، تفوقت وأبدعت، ونهلت من معين علمهن وخلقهن القويم. زرعن في نفوسنا حب التنافس الشريف داخل الفصول الدراسية، وغرسن فينا قيم الاجتهاد والمثابرة. ورغم مرور عشرات السنين، لا تزال ذكراهن العطرة محفورة في قلوبنا وعقولنا. فمن منا ينسى الست بقية، والست سكينة، والست نعمة، والست زبيدة، والست إقبال ، والست كريمة ،وقائمة طويلة من المربيات الفاضلات اللواتي لم تسعفنا الذاكرة لذكر أسمائهن جميعاً؟ رحمة الله على من فارقن الحياة، وحفظ الله من لازلن على قيدها، وأمدهن بالصحة والسعادة.
إن هذا المنشور ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي الجميل، بل هو صرخةٌ من القلب تعبر عن واقعٍ مؤلم تعيشه أجيالنا الحالية. لقد حُرم هؤلاء الأطفال من وجود الأمهات والمربيات الفاضلات في مدارسهم، مما أثر سلباً على حبهم للتعليم ورغبتهم فيه. أصبح الطلاب يشعرون بالسعادة عند اقتراب موعد الإجازة، ليس حباً في الراحة، بل لغياب من يرغبهم في الدراسة، وغياب من يحتويهم ويشعرهم بالحب والرغبة والطموح. لقد افتقدنا المعلم المربي الذي يحل مكان الوالدين لساعات طويلة من الزمن.لقد أصبحت مدارسنا اليوم تعاني من التنفير والمجاملات والتمييز في التعامل مع الطلاب. فبعض المعلمات يحرصن كل الحرص على أن يحصل أبناؤهن أو أبناء أقاربهن على المراكز الأولى، متجاهلات بقية الطلاب، مما يصيبهم بالخيبة والانكسار والإحباط، ويجعلهم يكرهون التعليم. نعم، لقد افتقدت هذه الأجيال لمعلماتٍ مثل معلمات الدرجاج، اللواتي كنّ يخرجن طلاباً يتجاوزون الصف الثالث وهم يجيدون الكتابة والقراءة عن ظهر قلب، بفضل تفانيهن وإخلاصهن.

بعد كل هذه السنين لازلنا نشعر بالإمتنان والحب لهن وذكراهم لن تفارقنا ما حيينا فلهم مني تحية من اعماق قلبي…

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى