الرياض.. من يدفع فاتورة الفشل بعد إقصاء الانتقالي التي اتخذت من حضوره شماعة؟

كتب / د. أمين العلياني
ثمة سردية كانت تُروَّج طويلًا وهي أن المجلس الانتقالي شريك في السلطة، إذن هو المسؤول عن كل انهيار خدمي وكل تدهور معيشي؛ فالكهرباء تنطفئ والراتب يتأخر والعملة تنهار؟ سببها الانتقالي وهكذا كانت المعادلة الجاهزة، تُقدَّم للشارع الجنوبي بوصفها تفسيرًا كاملًا للفشل. ومن ثم جاء يناير 2026 وزعمت الرياض أن المجلس الانتقالي تم حله، وقالت: إن مكاتبه طُويت، وتغيّرت تركيبة السلطة، وأُعيد ترتيب القوات والأجهزة الأمنية، وخرج الانتقالي من معادلة الحكم، أو هكذا قيل؛ لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا ولك يتغير : من المتهم الآن بالفشل الخدمي والتدهور المعيشي؟، والسؤال المطروح: إذا كان الانتقالي قد أُقصي من السلطة، فمن يتحمل فاتورة الفشل الخدمي والتدهور المعيشي بعد خروجه؟ ومن كان يتحملها بالأمس حين كان الانتقالي في السلطة؟
وهذا هو جوهر الثنائية المكشوفة القائمة على سردية تراد أن تكون على مقاس المرحلة؛ ففي مرحلة ما، كان الانتقالي في السلطة، وكانت السردية تقول: هو المسؤول عن كل عجز، وكان شريكًا في القرار، إذن يتحمل النتائج. وهذا منطق مقبول، وإن كان منقوصًا، لأن السلطة كانت مشتركة، والقرار لم يكن يومًا ملكًا خالصًا لطرف واحد، ومن ثم تغيّر المشهد وخرج الانتقالي من السلطة، وأُعلن حلّه، وأُقصي من المشهد التنفيذي، وحينها كان المنطق السليم يقول: ستتغير السردية أيضًا، فمن يملك القرار الجديد يجب أن يملك المسؤولية الجديدة؛ لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، بقي الفشل الخدمي والتدهور المعيشي إلى أسوأ أحواله، حتى بعد أن غادر المجلس الانتقالي.
وهذه ثنائية لا تصمد أمام أي فحص منطقي: إذا كنت مسؤولًا فأنت المسؤول حين كنت في السلطة، فكيف يسلم غيره أن يكون مسؤولًا بعد أن أُخرج المجلس ويتخذ من من وجوده شماعة لفشله؟ الجواب بسيط ومكشوف: لأن الغرض ليس تحديد المسؤول، بل الحفاظ على شماعة جاهزة. وهي من يدفع فاتورة الحرب؟ فالفاتورة الحقيقية للفشل الخدمي والتدهور المعيشي لا يدفعها سياسي في مكتب، بل يدفعها مواطن ينتظر الكهرباء، ويبحث عن راتب، ويصارع تضخمًا يأكل ما تبقى من دخله. وهذه الفاتورة لها صاحب قرار واضح، وليس خصمًا مُقصى.
ومن يمول الحرب منذ أكثر من أثني عشر عامًا؟ ومن يقود التحالف الذي تدخل تحت يافطة انقاذ اليمن شمالًا وجنوبًا منذ 2015؟ ومن يمسك بملف الترتيبات الأمنية والعسكرية والمالية في مناطق الحكومة؟ ومن أعلن عن دعم الموازنة والرواتب والطاقة، ثم بقي الاقتصاد ينزف؟
فالرياض ليست مجرد راعٍ بعيد، بل هي الطرف الأكثر حضورًا في ملف الحرب في اليمن شمالًا وجنوبًا منذ انطلاقها، وهي التي أعلنت صراحة بعد يناير أنها تدفع فاتورة إعادة ترتيب السلطة في الجنوب، وهي التي وثّقت تقارير دورها المالي والأمني المباشر في المرحلة الجديدة.
إذن، السؤال البديهي: إذا كانت الرياض هي من يقود الحرب ويمول ترتيباتها ويرعى تحولاتها، فلماذا كانت تلصق الفشل بالانتقالي في المرحلة التي شارك فيها وجعلت منه المتهم في كل فشل خدمي أمام شعبه وحواضنه؟
وبهذا فالفشل ليس نتيجة.. بل سياسة وهنا يتكشف ما هو أبعد من مجرد تحميل المسؤولية لطرف أو آخر؛ فالفشل الخدمي والمعيشي في الجنوب ليس مجرد نتيجة عرضية لحرب أو أزمة اقتصادية، بل هو في حسابات السياسة الكثيرة أداة؛ فعندما يُترك الجنوبيون يغرقون في أزمات الكهرباء والماء والراتب، وعندما يُشغلون يوميًّا بمعركة البقاء، يصبح الحديث عن الحقوق السياسية والمطالب الكبرى وسيلة؛ لتفريغ قضيتهم الجنوبية من بعدها السياسي، وتُختزل في مطالب حقوقية: كهرباء، راتب، خدمة. مطالب مشروعة، لكنها مجردة من سقفها السياسي، وهذه باتت سياسة مكشوفة؛ فحرمان الجنوب من مقومات الحياة ليس فشلًا إداريًّا فحسب، بل إضعاف لحواضنه الشعبية، وحين يكون المواطن مشغولًا بلقمة عيشه، لا يجد طاقة للمطالبة بحقه السياسي، وحين يشعر أن كل شيء منهار، يفقد الثقة في كل شيء: في القيادات، في الأحزاب، في المشروع الوطني نفسه.
وهذا هو الفشل كسياسة: ليس عجزًا عن الإدارة، بل إدارة العجز كي يصبح سردية لا يراد أن تسقط؛ فإبقاء الانتقالي في قفص الاتهام قبل إقصائه من السلطة ليس خطأً في التحليل السياسي، بل هو اختيار؛ لأن الاعتراف بأن الانتقالي سابقًا صاحب القرار ونسب له الفشل الخدمي فهذا يعني الاعتراف بأن من يملك القرار اليوم هو من يتحمل مسؤولية الفشل والانتقالي صار بريئًا منه وهكذا كانت الشماعة قائمة ضد الانتقالي لتكشف أن تخطيطًا كان يخطط له منذ انشائه؛ لكن الجنوبي الذي يرى الكهرباء تنطفئ، ويرى الراتب يتأخر، ويرى الأفق مسدودًا، لم يعد بحاجة إلى تحليل معقد، بل هو يعرف من يملك القرار، ويعرف من يوزع الأدوار، ويعرف من يمنح التمويل ويمنعه.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس: أين الانتقالي الفاشل بالأمس؟ بل: من يحكم الجنوب اليوم؟ ومن يدفع فاتورة فشله؟ وهذه المرة، لن يكون الجواب اسمًا قديمًا أُقصي من المشهد. الجواب سيُكتب حيث يُكتب القرار: في الرياض.
الرأي الجنوبي اليوم يقول: يا رياض، إما أن تكوني راعية ملف الحرب ومسؤولة عن نتائجه،
أو أن تكوني وسيطًا بريئًا لا يمسك قرارًا، ولا يمكن أن تجمعي بين الاثنين.
وإذا كان الفشل الخدمي والمعيشي في الجنوب سياسة تُدار، وليس مجرد نتيجة، فإن الشماعة القديمة لم تعد تجدي؛ لأن الشعوب لا تُخدع مرتين بنفس الرواية، والجنوب لا يريد شماعة، بل يريد حسابًا مكشوفًا، ومن يمسك المفتاح، لا يملك حق الاختباء خلف من نُزع منه.



