مقهاية كشر في كريتر عدن .. المقهى الذي لم يكن مقهى بل كان ثكنة ثورة ومدرسة وطن

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
لو أن لجدران عدن أن تنطق لنطقت جدران مقهاية كشر أولا. ولو أن لطاولاتها الخشبية أن تحكي لحكت حكاية مدينة كاملة قاومت الاستعمار بالكلمة وبالشاي وبالصبر.
تقع مقهاية كشر في قلب كريتر العتيقة في واحد من أزقتها الضيقة العريقة التي لا يعرفها إلا أبناء كريتر الأصليون. لم تكن مقهى فاخرا ولم تكن تملك لافتة مضيئة ولا كراسي وثيرة بل كانت مقهى بسيطا جدا جدرانه من الحجر العدني القديم وسقفه من الخشب المغطى بالقصدير وطاولاته من الخشب المتآكل الذي حفرت عليه أسماء مئات الشباب بسكاكين صغيرة.
وتاريخ مقهى كشر فيه سر عجيب يجهله الكثيرون فهذا المحل في الأصل لم يكن مقهى أبدا بل كان محلا لصناعة القطايف العدنية الشهيرة التي تشتهر بها عدن في شهر رمضان وفي الأيام العادية. وكان صاحبه الأصلي رجلا عدني بسيط يسمى كشر وهذا لقب اشتهر به بين الناس لأنه كان عابس الوجه قليلا أو لأنه كان يصنع القطايف بطريقة مقشرة ومقرمشة فصار الناس ينادونه كشر حتى صار هذا لقبه واسم محله وظل المحل لسنوات طويلة يعرف بمحل كشر للقطايف.
ثم جاء التحول التاريخي الكبير على يد المرحوم السيد هاشم عبد الله السقاف الهاشمي رحمة الله عليه وهو من وجهاء كريتر المعروفين. فحوالي عام 1955 م قام السيد هاشم السقاف بشراء المحل من صاحبه الأصلي وحوله من محل قطايف إلى مقهى شعبي يقدم الشاي والخمير والباجية ولكن الاسم القديم ظل على حاله اسما للمقهى فصار اسمه مقهى كشر وبقي هذا الاسم عالقا به حتى اليوم.
بل إن حكاية اسم كشر لم تتوقف عند حدود كريتر فالسيد هاشم السقاف كان دائم السفر إلى القاهرة وهناك في حي الدقي اجتمع حوله أصدقاؤه العدنيون المغتربون وفتحوا مقهى صغيرا بهذا الاسم أيضا تيمنا وحبا بمقهى كشر الذي في كريتر عدن فصار هناك مقهى كشر آخر في قلب القاهرة يحمل نفس الاسم ونفس الروح.
ومنذ تأسيسه بهذه الصورة الجديدة تحولت مقهاية كشر إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية فريدة. ففي الصباح الباكر كانت مقهى العمال البسطاء والجمالة وسائقي الشاحنات وموظفي الميناء الذين يأتون ليشربوا شاهي الصباح الثقيل مع خبز طاوة حار. وفي وقت الظهيرة كانت تتحول إلى مقهى العقلاء والشيوخ والحكماء من أبناء كريتر الذين يتسامرون ويحلون مشاكل الناس على كأس شاي.
أما بعد صلاة العصر فكانت مقهاية كشر تتحول تماما إلى خلية نحل ثورية وإلى برلمان شبابي صاخب لا يهدأ. كان طلاب المدارس الثانوية يأتون إليها أفواجا يحملون كتبهم ودفاترهم ويجلسون على الأرض أحيانا لعدم وجود كراسي كافية ويبدؤون نقاشات حامية عن الاستعمار البريطاني وعن الوحدة العربية وعن جمال عبد الناصر وعن الثورة في الجزائر.
وكانت مقهاية كشر هي المقهى الأخطر في نظر السلطات البريطانية. فقد كانت التقارير السرية للإدارة البريطانية تذكر مقهى كشر بالاسم وتقول إنه وكر للتحريض ضد التاج البريطاني. وكان الجنود الإنجليز يداهمون المقهى بشكل متكرر ويفتشون رواده ويمزقون الصحف العربية التي كانت توزع فيه سرا. وكان السيد هاشم السقاف يخفي المنشورات الثورية داخل أكياس السكر والشاي وفي داخل براميل الماء.
وكان لمقهاية كشر سرها الخاص وهو الشاي المخصوص. فشاهي كشر لم يكن شايا عاديا بل كان خلطة سرية يتوارثها أبناء أسرة كشر ومن بعدهم أسرة السقاف. كان يطبخ على الحطب في قدر نحاسي ضخم أسود اللون من كثرة الاستعمال يغلي لساعات طويلة حتى يصبح مركزا ثقيلا ثم يضاف إليه الحليب الطازج والهيل العدني الخاص والقرنفل فيعطي طعما لا يمكن أن تنساه أبدا.
وكانت هناك طاولة واحدة في مقهاية كشر لا يجلس عليها أحد إلا بإذن خاص وهي طاولة تقع في الركن الشمالي للمقهى كانت تسمى طاولة القيادة. كان يجلس عليها قادة الحركة الطلابية والشبابية في كريتر يكتبون البيانات وينسخون المنشورات ويخططون للمظاهرات التي كانت تخرج من كريتر إلى المعلا والتواهي.
وقد عاشت مقهاية كشر كل تحولات عدن السياسية من الاستعمار إلى الاستقلال إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى الوحدة وما بعدها وفي كل مرحلة كانت تتكيف وتبقى.
إن مقهاية كشر التي بدأت كمحل قطايف صغير يحمل لقب رجل عابس الوجه لم تكن مجرد محل لبيع الشاي بل كانت جامعة شعبية حقيقية تخرج منها مئات المناضلين والمعلمين والرياضيين والفنانين.
ستبقى مقهاية كشر شاهدا حيا على أن عدن كانت وما زالت مدينة عظيمة تصنع الرجال وتصنع التاريخ من أبسط الأشياء من محل قطايف إلى مقهى ثوري إلى سفارة عدنية في حي الدقي بالقاهرة.
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي من مدينة كريتر عدن
مقهاية كشر في كريتر عدن .. المقهى الذي لم يكن مقهى بل كان ثكنة ثورة ومدرسة وطن …
هذا المقال من “كتاب : جزء من أعلام ومعالم مدينة عدن المقاهي الشعبية نموذجا 1870 2026 م، زكو وسكران وكشر وسيلان والشجرة خمسة مقاهي صنعت تاريخ عدن، دراسة وثائقية أكاديمية موسعة، تأليف الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي”








