الشارع المطواع والأمل المؤجل

 

كتب ـ فهمي السنيدي

 

حين يصبح الشارع مطواعًا إلى هذا الحد، فإن المشكلة لا تعود الى كثرة من يتعاقبون على المشهد السياسي، بل في قابلية الشارع نفسه لأن يتحول إلى مائدة مفتوحة لكل منغار ؛ يأتي إليها كل من أراد أن ينقّب منها ، ثم يتركه في آخر الصف منتظرًا وعدًا جديدًا.
في مثل هذا الشارع، لا تحتاج إلى مشروع سياسي حقيقي كي تصنع حضورًا؛ يكفي أن تلتقط أكثر الجراح إيلامًا، وأن ترفع سقف الخطاب، وأن تمنح الناس جرعة كافية من الأمل المؤجل. وبعدها يمكن ببساطة أن تُرحّل المطالب الحقيقية إلى ما بعد المراحل، وأن تُقدَّم عليها أولويات أخرى، بينما يبقى صاحب الحق معلقًا بين وعدٍ ووعد.
الأخطر من ذلك أن تتحول العاطفة إلى بديل عن الوعي، والانفعال إلى بديل عن الموقف، والذاكرة القصيرة إلى فرصة دائمة لإعادة تدوير الوجوه والخطابات. عندها يصبح الشارع سريع الاشتعال، لكنه سريع النسيان أيضًا؛ يرفع شعارًا اليوم،ويضحي من أجله ثم ينسى غدًا لماذا رفعه، ويستبدل السؤال عن النتائج بالسؤال عن صاحب الخطاب الأكثر إثارة.
وهنا تكمن الثغرة التي يدخل منها المستثمر السياسي: فهو لا يحتاج إلى إقناع مجتمع محصّن بالوعي، بل يحتاج فقط إلى مجتمع لم يتعلم بعد كيف يضع شروطه، وكيف يحاسب، وكيف يفرّق بين من يحمل قضية ومن يحمل القضية إلى حيث تخدم مصالحه.
فالشارع الذي لا يحمي مطالبه بالوعي والتنظيم والمساءلة، سيظل قابلًا لأن تُستعار مطالبه ثم تُعاد إليه على هيئة وعود.
والمشكلة ليست أن السياسة تعرف كيف تستثمر العواطف؛ هذه طبيعتها في كثير من الأحيان. المشكلة حين يصبح المجتمع نفسه مخزنًا مفتوحًا للعاطفة السياسية، بلا ذاكرة، وبلا حساب، وبلا ثمن
عندها لا يكون السؤال: من الذي خدع الشارع؟
بل السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا ظل الشارع، بعد كل هذه التجارب، قابلًا للخداع بالطريقة نفسها؟
فالتحصين الحقيقي لا يبدأ من تغيير اللاعبين، بل من تغيير قواعد اللعبة في وعي الناس
وأن يصبح الوعد التزامًا، والخطاب برنامجًا، والتمثيل مسؤولية، والثقة شيئًا يُكتسب ولا يُمنح مجانًا.
وإلا سيظل الشارع يدور في الحلقة ذاتها:
يُستدعى حين يحتاجه السياسي، ويُؤجَّل حين يحتاج السياسي ايضا إلى الوقت،الذي يراه مناسبا له ويُنسى حين تنتهي الحاجة إليه……..
فهمي السنيدي

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى