27 و 28 أكتوبر 2017 .. اليومان اللذان أعلنت فيهما كتالونيا الاستقلال، وسقطت فيهما الجمهورية الكتالونية

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
2017 إعلان إقليم كتالونيا الاستقلال ورد الحكومة الإسبانية بفرض الحكم المباشر وهي الأحداث التي بدأت يوم 27 وانتهت ذروتها يوم 28 أكتوبر …
لو سألت أي كتالوني اليوم ما هو أقصر استقلال في التاريخ الحديث لقال لك استقلالنا الذي ولد يوم الجمعة 27 أكتوبر 2017 ومات يوم السبت 28 أكتوبر 2017 ولم يعش أكثر من 24 ساعة لكنه ترك جرحا في إسبانيا وأوروبا لم يلتئم حتى اليوم
ولكي نفهم كيف وصلت الأمور إلى يوم 27 أكتوبر يجب أن نعود إلى ما قبل ذلك بثلاثمائة سنة
فمنذ عام 1714 بعد حرب الخلافة الإسبانية فقدت كتالونيا مؤسساتها الخاصة حين أصدر الملك فيليب الخامس مراسيم نويفا بلانتا التي ألغت برلمان كتالونيا ولغتها الرسمية في الإدارة لكن الكتالونيين احتفظوا بلغتهم في البيوت وثقافتهم في الشوارع وظلوا يعتبرون أنفسهم أمة داخل دولة
وفي دستور إسبانيا الديمقراطي عام 1978 بعد موت فرانكو منحت كتالونيا حكما ذاتيا واسعا وأصبح لها برلمان وحكومة تسمى جنراليتات ورئيس يسمى بريزيدنت وعلم خاص بخطوط حمراء وصفراء ولغة رسمية مع الإسبانية هي الكتالونية واقتصاد قوي يمثل 19 بالمئة من الناتج الإسباني كله و25 بالمئة من الصادرات ويسكن فيها 7 ونصف مليون نسمة من أصل 47 مليون إسباني
لكن مع الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 2008 بدأ الكتالونيون يشعرون أنهم يدفعون ضرائب لمدريد أكثر مما يعود إليهم وأن الحكومة المركزية ترفض توسيع الحكم الذاتي فقررت الحكومة الكتالونية بقيادة أرتور ماس ثم كارليس بيغديمونت تنظيم استفتاء للاستقلال
وكان يوم الفصل هو الأول من أكتوبر 2017
ففي ذلك اليوم الأحد ورغم أن المحكمة الدستورية الإسبانية أعلنت الاستفتاء غير قانوني ورغم أن الشرطة الوطنية والحرس المدني الإسباني دخلا بقوة لإغلاق مراكز الاقتراع وكسر الصناديق وجر المصوتين على الأرض وسقط أكثر من 900 جريح حسب وزارة الصحة الكتالونية إلا أن الحكومة الكتالونية أعلنت أن 2 مليون و286 ألف شخص صوتوا وأن 90 بالمئة منهم قالوا نعم للاستقلال بنسبة مشاركة 43 بالمئة من المسجلين
واشتعلت إسبانيا
وخرج الملك فيليب السادس في خطاب نادر ومباشر مساء 3 أكتوبر وقال إن قادة كتالونيا وضعوا أنفسهم خارج القانون والدستور وإن وحدة إسبانيا غير قابلة للتفاوض
ثم بدأت المهلة
فأرسل رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي زعيم الحزب الشعبي المحافظ رسالة إلى بيغديمونت يطلب منه توضيح هل أعلن الاستقلال أم لا وحدد له مهلة حتى 16 أكتوبر ثم مددها حتى 19 أكتوبر لكن بيغديمونت كان مترددا بين جناحين في حكومته جناح معتدل يريد حوارا مع مدريد وجناح متشدد من حزب كوب اليساري المتطرف يريد إعلان الاستقلال فورا
وفي برشلونة كانت الشوارع لا تنام فكل يوم مظاهرة مليونية إما مؤيدة للاستقلال تحمل أعلاما كتالونية مخططة بنجمة بيضاء تسمى استيلادا وإما مؤيدة للوحدة الإسبانية تحمل أعلام إسبانيا الحمراء الصفراء وتصرخ فيفا إسبانيا
وجاء يوم الجمعة 27 أكتوبر 2017
في الساعة العاشرة صباحا اجتمع البرلمان الكتالوني في قصر البرلمان في حديقة سيوتاديلا في برشلونة وكانت القاعة مليئة بالصحفيين من العالم كله وكانت الكاميرات تنقل مباشرة إلى كل القنوات
وكان جدول الأعمال سريا حتى اللحظة الأخيرة ثم صعد نائب من حزب خونتس بيل سي فقال باسم المجموعة المؤيدة للاستقلال نحن نقدم قرارا لإعلان قيام الجمهورية الكتالونية كدولة مستقلة ذات سيادة
وتم التصويت بطريقة غريبة لتجنب ملاحقة النواب قانونيا فلم يكن تصويتا إلكترونيا عاديا بل صناديق اقتراع خشبية صغيرة وضعها النواب فيها أوراقا سرية حتى لا يعرف من صوت
وكانت النتيجة 70 صوتا مع الاستقلال و10 أصوات ضد و2 ممتنع من أصل 135 نائبا لأن نواب المعارضة المؤيدة للوحدة وهم 53 نائبا انسحبوا من القاعة قبل التصويت احتجاجا وقالوا إن هذا تصويت باطل
وفي الساعة الثالثة و32 دقيقة بعد الظهر بالتوقيت المحلي أعلن رئيس البرلمان الكتالوني روجير تورنت النتيجة بصوت عال الجمهورية الكتالونية أصبحت دولة مستقلة
فانفجرت القاعة بالتصفيق والبكاء وغنى النواب نشيد إلس سيغادورس أي الحصادون وهو نشيد كتالونيا التاريخي واحتضن بعضهم بعضا وفي الخارج في ساحة سان جاومي أمام قصر الحكومة الكتالونية تجمع أكثر من 100 ألف شخص يبكون ويحتفلون ويرقصون ويفتحون زجاجات الشمبانيا
لكن الاستقلال لم يعش طويلا
ففي مدريد كان مجلس الشيوخ الإسباني مجلس الشيوخ السناتوس منعقدا في نفس الساعة وكان قد وافق في الصباح على طلب الحكومة تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني وهي المادة التي لم تستخدم أبدا منذ كتابة الدستور عام 1978 وتسمى الزر النووي الدستوري لأنها تسمح للحكومة المركزية بحل حكومة الحكم الذاتي وفرض الحكم المباشر
وما إن سمع ماريانو راخوي بإعلان الاستقلال حتى خرج في مؤتمر صحفي في الساعة السادسة مساء من قصر مونكلوا وقال كلاما مقتضبا اليوم أعيدت سيادة القانون إلى كتالونيا أعلن حل برلمان كتالونيا وإقالة رئيس كتالونيا كارليس بيغديمونت ونائبه أوريول جونكيراس وكل الوزراء ووضع كتالونيا تحت الحكم المباشر لوزارة الداخلية الإسبانية ودعوة لانتخابات مبكرة في كتالونيا يوم 21 ديسمبر 2017
ثم جاء يوم السبت 28 أكتوبر 2017 وهو ذروة الدراما
ففي الساعة السابعة صباحا نشرت الجريدة الرسمية الإسبانية BOE مرسومين مرسوم إقالة الحكومة الكتالونية ومرسوم تكليف نائب رئيسة الوزراء سورايا ساينز دي سانتا ماريا بإدارة كتالونيا مباشرة من مدريد وأصبحت كل وزارات كتالونيا تدار من مدريد ووضعت شرطة كتالونيا الموسوس ديسكوادرا تحت قيادة وزارة الداخلية الإسبانية
وفي نفس الصباح أزالت الشرطة الإسبانية الأختام عن المباني الحكومية في برشلونة وأنزلت العلم الكتالوني الاستقلالي من فوق القصر وأبقت العلم الرسمي فقط
وفي الظهر هرب كارليس بيغديمونت مع خمسة من وزرائه في سيارة إلى فرنسا ثم إلى بلجيكا وطلب اللجوء السياسي في بروكسل خوفا من الاعتقال بينما بقي نائبه أوريول جونكيراس في برشلونة فاعتقلته المحكمة الوطنية الإسبانية يوم 2 نوفمبر ووضع في سجن إستريميرا قرب مدريد
وهكذا انتهت الجمهورية الكتالونية التي لم تعترف بها أي دولة في العالم لا الاتحاد الأوروبي ولا أمريكا ولا حتى أي إقليم آخر
ولماذا فشل الاستقلال بسرعة
لأربعة أسباب جوهرية
السبب الأول قانوني فالدستور الإسباني في مادته الثانية يقول إن إسبانيا وطن لا يتجزأ لكل الإسبان والمحكمة الدستورية اعتبرت كل قوانين الاستفتاء والاستقلال باطلة ولاغية
السبب الثاني اقتصادي فخلال أسبوع واحد بين 2 و10 أكتوبر غادرت أكثر من 1500 شركة كبرى مقرها من كتالونيا إلى مدريد وفالنسيا خوفا من الخروج من اليورو وكان من بينها بنك ساباديل وبنك كايكسا بانك ثالث ورابع أكبر بنك في إسبانيا وشركة غاز ناتشورال وشركة نسيج دوغيبوس
السبب الثالث أوروبي فالاتحاد الأوروبي أعلن بوضوح على لسان رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية جان كلود يونكر أن كتالونيا إذا استقلت ستخرج تلقائيا من الاتحاد الأوروبي ومن اليورو ومن منطقة شنغن ولن تدخل إلا بموافقة إسبانيا نفسها وهذا مستحيل
السبب الرابع اجتماعي فالمجتمع الكتالوني نفسه كان منقسما مناصفة تقريبا فحتى في استفتاء 1 أكتوبر لم يشارك أكثر من 43 بالمئة وفي انتخابات 21 ديسمبر التي فرضتها مدريد فازت الأحزاب المؤيدة للوحدة بأكبر عدد من الأصوات لكن الأحزاب المؤيدة للاستقلال فازت بأغلبية المقاعد بسبب النظام الانتخابي
وماذا حدث بعد 28 أكتوبر
دخلت إسبانيا في أزمة قضائية استمرت سنوات فحكم على أوريول جونكيراس وتسعة قادة آخرين بالسجن بين 9 و13 سنة بتهمة التحريض على الفتنة وسوء استخدام المال العام في محاكمة تاريخية في المحكمة العليا الإسبانية عام 2019 ثم صدر عفو عنهم عام 2021 بقرار من رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
أما بيغديمونت فبقي هاربا في بلجيكا ثم في ألمانيا حيث اعتقلته الشرطة الألمانية ثم أطلقت سراحه ثم انتقل إلى فرنسا وأصبح نائبا في البرلمان الأوروبي عام 2019 ولا يزال حتى اليوم في المنفى.
وفي عام 2017 كان يوما 27 و28 أكتوبر هما اليومان اللذان ظن فيهما العالم أن خريطة أوروبا ستتغير وأن دولة جديدة ستولد في غرب المتوسط لكنهما في الحقيقة كانا اليومين اللذين أثبتا أن وحدة الدول الأوروبية لا تزال أقوى من النزعات الانفصالية وأن المادة 155 التي نامت 39 سنة استيقظت في يوم واحد لتحل برلمانا وتقيل رئيسا وتعيد إقليما كاملا إلى حكم مدريد.
ومن لا يفهم ما جرى في برشلونة في 27 و28 أكتوبر 2017 لا يفهم لماذا لا تزال كتالونيا حتى اليوم بين استقلال معلن في القلوب ووحدة مفروضة في القانون ولماذا لا يزال العلم المخطط بنجمة يرفرف في شرفات برشلونة رغم أن الجمهورية التي أعلن عنها لم تعش إلا ثماني ثوان دستورية …..
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
27 و 28 أكتوبر 2017 ..
اليومان اللذان أعلنت فيهما كتالونيا الاستقلال، وسقطت فيهما الجمهورية الكتالونية بعد ثماني ثوان …
في 28 أكتوبر 2017 وصلت أزمة كتالونيا إلى ذروتها فبعد استفتاء 1 أكتوبر أعلن البرلمان الكتالوني الاستقلال من جانب واحد فردت الحكومة الإسبانية برئاسة ماريانو راخوي بتطبيق المادة 155 من الدستور وحل البرلمان الكتالوني وفرض الحكم المباشر واعتقال قادته وكانت تلك الأحداث التي بدأت يوم 27 وانتهت يوم 28 أكتوبر من أكثر الأزمات السياسية خطورة في أوروبا الحديثة ……








