القضية الجنوبية في ظل التفاهمات الإقليمية: هل تقترب فرصة استقلال الجنوب العربي ؟

كتب: د. عمار بن دجران العمري
تشهد المنطقة تحركات سياسية ودبلوماسية قد تعيد رسم موازين القوى والتحالفات الإقليمية، وسط مساعٍ لاحتواء الصراعات وخفض التوتر بين القوى المؤثرة، وفي مقدمتها السعودية وإيران، بمشاركة أطراف إقليمية أخرى. وفي ظل هذه المتغيرات، يبرز تساؤل مهم حول مستقبل اليمن، ومصير القضية الجنوبية، ومدى إمكانية أن تفتح هذه التفاهمات نافذة سياسية جديدة أمام شعب الجنوب العربي لتحقيق تطلعاته في استعادة دولته المستقلة.
إن أي تقارب إقليمي قد يسهم في تخفيف حدة الصراعات وإنهاء بعض أشكال المواجهة غير المباشرة، لكنه لا يعني بالضرورة التوصل إلى حل شامل للأزمة اليمنية، ولا يؤكد وجود اتفاق على استقلال الجنوب. فالدول تتحرك وفق مصالحها الأمنية والسياسية، وقد تتفق في ملفات وتختلف في أخرى، بينما تبقى القضية الجنوبية مرتبطة بإرادة شعبها وحقه في تقرير مستقبله السياسي.
ومن هنا، فإن السؤال الجوهري ليس فقط: ماذا ستتفق عليه الرياض وطهران؟ بل أيضًا: هل ستكون القضية الجنوبية حاضرة في أي تسوية سياسية قادمة، أم ستظل خاضعة لحسابات المصالح الإقليمية؟ فالقضية الجنوبية ليست مجرد امتداد للخلاف الإيراني السعودي، ولا ملفًا طارئًا فرضته الحرب، بل قضية سياسية وتاريخية لها جذورها وتطلعاتها الخاصة، ولا يمكن الوصول إلى استقرار دائم دون معالجتها بصورة عادلة.
وقد تتيح التحولات الإقليمية فرصة لإعادة ترتيب الملفات العالقة وفتح مسارات جديدة للحوار، وربما تهيئة الظروف أمام تسوية تعترف بالواقع السياسي للجنوب وتمنح شعبه فرصة حقيقية لتحديد مستقبله. غير أن هذه الفرصة تظل احتمالًا يعتمد على طبيعة التفاهمات المقبلة، ومدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية أساسية، لا ورقة تفاوضية يمكن تجاوزها أو تأجيلها.
وفي المقابل، فإن تحقيق تطلعات الجنوبيين لا يمكن أن يقوم على انتظار قرارات الخارج وحدها؛ بل يتطلب توحيد الصف الجنوبي، وتقريب وجهات النظر بين مكوناته، وتقديم مشروع سياسي واضح يحدد ملامح الدولة المنشودة، ويضمن الحقوق والحريات والشراكة لجميع أبنائها. كما يتطلب بناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة، وتعزيز الاستقرار، وكسب الدعم الإقليمي والدولي من خلال العمل السياسي والدبلوماسي، والاحتكام إلى إرادة الشعب بوسائل سلمية وواضحة.
إن أي تسوية تتجاهل القضية الجنوبية قد تنجح في خفض التصعيد مؤقتًا، لكنها لن تضمن بالضرورة سلامًا مستدامًا؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف الحرب، وإنما بمعالجة أسباب الصراع وفتح الطريق أمام حلول عادلة تحظى بالقبول الشعبي. ولهذا، ينبغي أن يكون معيار نجاح أي اتفاق متعلق بمستقبل اليمن هو مدى قدرته على إنهاء الصراع، واحترام تطلعات الجنوبيين، وتوفير مسار سياسي واضح لمعالجة قضيتهم.
وفي المحصلة، لا يمكن الجزم بأن التفاهمات الإقليمية ستقود إلى استقلال الجنوب العربي، كما لا يمكن استبعاد أن تخلق فرصًا سياسية جديدة. فالأمر يتوقف على طبيعة الاتفاقات التي قد تُبرم، وموقع القضية الجنوبية فيها، وقدرة القوى الجنوبية على الحضور بموقف موحد ورؤية وطنية جامعة.
فهل تتحول التفاهمات الإقليمية إلى نافذة تاريخية لاستعادة دولة الجنوب العربي، أم تبقى القضية الجنوبية مؤجلة في حسابات المصالح الدولية؟
إن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصًا وتحديات في آن واحد، لكن المسؤولية تقتضي أن يكون الجنوب مستعدًا لها، وأن يتحرك بوعي سياسي ووحدة موقف، حتى لا يكون مجرد ورقة في مفاوضات الآخرين، بل طرفًا فاعلًا في تقرير مستقبله السياسي وتحقيق تطلعات شعبه.
د. عمار بن دجران العمري



